في المشهد اليمني المعقد، تبرز مفارقة واضحة: الجميع يختلف في كل شيء تقريبًا، لكنه يتفق، ولو ضمنيًا، على عدو واحد: جماعة الحوثي. لم تعد مجرد طرف سياسي، بل تحولت إلى محور صراع أعاد تشكيل خارطة القوى، وأجبر الجميع على إعادة تعريف أولوياتهم.
لا يمكن إنكار أن حزب التجمع اليمني للإصلاح كان له دور في مواجهة الحوثيين، حتى وإن شاب هذا الدور مراحل من التذبذب أو الحسابات السياسية في فترات سابقة. هذه حقيقة لا يلغيها الخصوم، كما لا يجب أن يبالغ أنصاره في تضخيمها. السياسة بطبيعتها متغيرة، لكن المواقف في لحظات الحسم هي ما يُبنى عليها الحكم.
المشكلة اليوم ليست في من قاتل أولًا ولا من قدم أكثر، بل في عقلية المزايدة التي تحول المعركة من مواجهة مشروع خطير إلى منافسة داخلية لإثبات من هو الأكثر عداوة للحوثي. هذه الذهنية لا تخدم إلا طرفًا واحدًا: الحوثي نفسه.
الواقع يقول إن المعركة أكبر من أي حزب، وأوسع من أي فصيل. لا يمكن لأي طرف، إصلاح أو غيره، أن يحسمها منفردًا. التحدي الحقيقي ليس عسكريًا فقط، بل إعلامي وسياسي أيضًا. وهنا يظهر خلل واضح: تعدد الخطابات، تضارب الرسائل، وغياب رواية موحدة قادرة على التأثير داخليًا وخارجيًا.
إذا كان هناك اتفاق فعلي على أن الحوثي هو العدو الأول، فمن المنطقي أن ينعكس ذلك في خطاب إعلامي موحد، لا يطعن في الحلفاء أكثر مما يهاجم الخصم، واعتراف متبادل بالأدوار دون إنكار أو احتكار، وتجاوز الحسابات الضيقة لصالح هدف أكبر.
الوحدة هنا ليست شعارًا عاطفيًا، بل ضرورة استراتيجية. فالتاريخ لا يذكر من اختلفوا على التفاصيل، بل من توحدوا في اللحظة الحاسمة.
في النهاية، قد تفرق السياسة بين القوى اليمنية، لكن ما يجمعها اليوم أكبر بكثير: خطر مشترك يهدد الدولة والمجتمع. والسؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح: هل نستمر في استنزاف بعضنا، أم نعيد ترتيب الأولويات ونواجه الخطر الحقيقي بصف واحد؟
الوقت لا يعمل لصالح المترددين، ولا يمنح نقاطًا إضافية لمن يرفع صوته أعلى، بل لمن ينجح في تحويل الاتفاق النظري إلى فعل حقيقي على الأرض.
>
