حراك ثقافي متجدد في تعز.. مبادرات مدنية تعيد الاعتبار لدور المدينة ومكانتها

السياسية - منذ 12 ساعة و 20 دقيقة
تعز، نيوزيمن:

في وقت تتكاثف فيه التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي ألقت بظلالها الثقيلة على المشهد العام في اليمن، تبرز مدينة تعز مجددًا كمساحة للمقاومة الثقافية الهادئة، من خلال حراك ثقافي متجدد تقوده مبادرات ومؤسسات مدنية تسعى إلى إعادة الاعتبار للثقافة بوصفها ركيزة للوعي المجتمعي، وأداة أساسية لاستعادة الدور التاريخي للمدينة كمركز للإشعاع الفكري والتنوير.

ويُنظر إلى هذا الحراك بوصفه امتدادًا للإرث الثقافي الذي لطالما تميزت به تعز، حيث لعبت دورًا محوريًا في إنتاج النخب الفكرية والأدبية والفنية في اليمن، قبل أن تؤدي سنوات الحرب والحصار إلى تراجع هذا الدور. غير أن عودة الفعاليات الثقافية، والصالونات الأدبية، والمبادرات المعرفية، تعكس إرادة مجتمعية لاستعادة المكانة الثقافية للمدينة، بعيدًا عن منطق العنف والاصطفافات.

وفي هذا السياق، أقامت مؤسسة أرنيادا للتنمية الثقافية، السبت، فعالية احتفائية خاصة في مدينة تعز بمناسبة افتتاح العام الجديد لصالونها الثقافي، تحت عنوان: "بداية جديدة.. لقاء ثقافي لمراجعة عام 2025 بين الكتب، المشاهدات، وتأملات الحياة"، وسط حضور نوعي ضم نخبة من المثقفين والكتّاب والأدباء ورواد الصالون.

وشهدت الفعالية حضور مدير عام مكتب الثقافة بمحافظة تعز، الأستاذ قاسم إبراهيم، الذي عبّر عن سعادته بالأجواء التفاعلية التي سادت اللقاء، معتبرًا أن مثل هذه الفعاليات تمثل رافدًا مهمًا للحراك الثقافي في المحافظة، وتسهم في ترسيخ ثقافة القراءة والحوار، لا سيما في ظل الحاجة الملحّة لإعادة بناء الوعي المجتمعي بعد سنوات من الصراع.

وأشاد إبراهيم بالدور الذي تضطلع به مؤسسة أرنيادا في العمل الثقافي المستدام، مؤكدًا أن مكتب الثقافة يضع ضمن أولوياته خلال المرحلة القادمة تدعيم البنية المؤسسية للعمل الثقافي، وتهيئة بيئة حاضنة للمبادرات والأنشطة الإبداعية، بما يسهم في استعادة تعز لمكانتها كعاصمة للثقافة اليمنية. كما وجّه دعوة مفتوحة لكافة الفاعلين الثقافيين والمبادرات المدنية إلى العمل المشترك والتكامل، بعيدًا عن الجهود الفردية المتفرقة.

وتنوعت فقرات الفعالية بين استعراض موجز لأبرز أنشطة وقراءات صالون “أرنيادا” خلال العام المنصرم، والتي شملت مناقشة كتب فكرية وأدبية، وقراءات نقدية، وجلسات حوارية حول قضايا ثقافية ومعرفية معاصرة، إلى جانب فقرات فنية وغنائية قدّمها الفنان الشاب سيف عبدالرحمن، أضفت على اللقاء طابعًا وجدانيًا يعكس تداخل الفنون مع الفكر.

كما شهدت الفعالية قراءات شعرية لعدد من الأصوات الأدبية، من بينهم عميد المهيوبي ومحمد عبدالإله، حيث عبّرت النصوص عن هموم الإنسان اليمني، وأسئلته الوجودية، وتطلعاته للسلام والحياة، في مشهد يعكس حيوية المشهد الأدبي في تعز رغم الظروف القاسية.

واختُتمت الفعالية بنقاش مفتوح وتفاعلي بين الحاضرين، جرى خلاله تداول حصيلة عام 2025 من القراءات المعرفية والمشاهدات البصرية، إضافة إلى استعراض تطلعات المشاركين للعام الجديد، ومناقشة خطط تطوير أنشطة الصالون، من حيث توسيع دائرة المشاركة المجتمعية، واستهداف فئات الشباب والطلاب، وتعزيز الشراكات مع المؤسسات الثقافية والتعليمية في المحافظة.

ويؤكد مراقبون أن مثل هذه الفعاليات تمثل مؤشرًا واضحًا على تعافي المشهد الثقافي في تعز تدريجيًا، وتنسجم مع ما تشير إليه تقارير دولية حول أهمية الثقافة في تعزيز الصمود المجتمعي، وبناء السلام، وإعادة ترميم النسيج الاجتماعي في سياقات النزاع، وهو ما يمنح هذه المبادرات بعدًا يتجاوز النشاط الثقافي التقليدي إلى دور تنموي واستراتيجي.