"ابني مظلوم".. صرخة تختصر قضاًء مسيّسًا وأحكام إعدام بأوامر حوثية

السياسية - منذ ساعتان و 20 دقيقة
صنعاء، نيوزيمن، خاص:

مشهد إنساني ثقيل، يتكرر بشكل دوري مع كل جلسة محاكمة تنفذها ميليشيا الحوثي الإيرانية في اليمن بحق مختطفين يساقون إلى ساحات الإعدام على خلفية تهم كيدية جرى تلفيقها عليهم  لتبرير اختطافهم وإصدار أحكام جائرة بحقهم.

خيّم الصمت المشوب بالبكاء على محيط محكمة حوثية في صنعاء، بينما كانت فتاة شابة تُنقل مغشيًا عليها، ونساء ورجال ينهارون بالبكاء أمام أعين القضاة، عقب قرار قاض موالي للميليشيات الحوثية وهو يعلن تأييد أحكام الإعدام بحق تسعة معتقلين، في قضية أثارت صدمة واسعة بين أهالي الضحايا وحقوقيين يمنيين ودوليين.

بحسب المصادر الحقوقية أيدت الشعبة الجزائية المتخصصة بأمانة العاصمة صنعاء، في جلسة جديدة عقدتها الإثنين، أحكام الإعدام بحق 9 متهمين. وذلك بعد أن كانت المحكمة الجزائية الابتدائية قد أصدرت في نوفمبر الماضي أحكامًا بالإعدام بحق 17 معتقلًا دفعة واحدة، في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في مناطق سيطرة الحوثيين.

وبحسب شهود عيان، شهدت قاعة المحكمة حالات انهيار نفسي حادة، حيث فقدت ابنة أحد المحكومين بالإعدام وعيها فور النطق بالحكم، فيما شوهد أقارب الشاب أنس المصباحي – الذي يعمل بائع أسماك في صنعاء – وهم يبكون بحرقة بعد تثبيت حكم إعدامه.

كما برز مشهد رجل مسن، هو والد المحكوم عليه بالإعدام خالد السعدي، القادم من مديرية الجعفرية بمحافظة ريمة، والذي ظل يردد بصوت مبحوح “ابني مظلوم”، موضحًا أن إحدى أبرز التهم الموجهة لابنه هي استلام مبلغ مالي لا يتجاوز خمسة آلاف ريال سعودي، قال إنها مساعدات إنسانية من أقارب وأصدقاء في السعودية للمساهمة في علاج والدته المصابة بالسرطان، وهي تهمة يرى قانونيون أنها لا تشكل أي ركن جنائي يبرر عقوبة الإعدام.

ووفق مصادر قانونية، خضع المعتقلون لـ محاكمة وُصفت بالمستعجلة وغير المستوفية للحد الأدنى من معايير العدالة، حيث عقدت خمس جلسات فقط أمام المحكمة الجزائية، وخمس جلسات أخرى في الاستئناف، لتُسجل كواحدة من أسرع المحاكمات في قضايا مصيرية من هذا النوع.

وأكدت المصادر أن بعض المتهمين حوكموا دون محامين، فيما لم يُسمح لآخرين بتقديم أقوالهم أو الدفاع عن أنفسهم بحرية أمام المحكمة، في مخالفة صريحة للقانون اليمني وللمعايير الدولية للمحاكمات العادلة.

وأفاد أهالي المعتقلين بأن أبناءهم تعرضوا خلال احتجازهم في سجن استخبارات الشرطة لأصناف متعددة من التعذيب الجسدي والنفسي، وأُجبروا على الإدلاء باعترافات تحت الإكراه، كما مُنعوا لفترات طويلة من التواصل مع عائلاتهم. وتشير تقارير حقوقية دولية إلى أن استخدام التعذيب وانتزاع الاعترافات بالقوة أصبح ممارسة منهجية في مراكز الاحتجاز التابعة للحوثيين، ويتم لاحقًا اعتماد تلك الاعترافات كأدلة وحيدة أمام القضاء.

وبحسب منطوق الحكم، أدين المتهمون بتهم التخابر والتجسس لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية، غير أن مراقبين أكدوا أن مجريات المحاكمة افتقرت لأي أدلة حقيقية، كما لم يتقدم أي "ولي دم" في القضايا التي صدرت فيها أحكام الإعدام.

وذكرت مصادر مطلعة أن معظم الاتهامات تمحورت حول وقائع وُصفت بالهشة، مثل "التصوير بالريموت" أو وضع "بُلكة" أمام منزل أحد قيادات الجماعة، وهي اتهامات لا يوجد ترابط منطقي بينها وبين العقوبات القصوى التي صدرت بحق المتهمين.

وكشفت مصادر قضائية أن قضاة محكمة الاستئناف تعرضوا لضغوط مباشرة من قيادات عليا في جماعة الحوثي قبيل صدور الحكم، رغم تعهدات سابقة بعدم تأييد أحكام الإعدام، ما يعزز الاتهامات بأن القضاء الخاضع للجماعة يعمل تحت الإملاءات السياسية والأمنية.

وكان فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن في تقاريره أكد أن جماعة الحوثي تمارس تدخلاً ممنهجًا في عمل القضاء، وتستخدم المحاكم كأداة لقمع الخصوم وبث الخوف في المجتمع.

ويحذر حقوقيون من أن تأييد هذه الأحكام يفتح الباب أمام تنفيذ إعدامات وشيكة بحق معتقلين مدنيين، مطالبين المجتمع الدولي والأمم المتحدة بالتحرك العاجل لوقف هذه الأحكام، وضمان إعادة محاكمة المتهمين أمام قضاء مستقل ومحايد.

وتُعد هذه القضية، بحسب مراقبين، نموذجًا صارخًا لتسييس القضاء في مناطق سيطرة الحوثيين، واستخدامه لتصفية الحسابات السياسية، في ظل معاناة إنسانية متفاقمة لأسر الضحايا وصمت دولي يثير قلق المنظمات الحقوقية.