الموت في الفصل الدراسي.. المعلم اليمني يدفع ثمن سياسات التجويع الحوثية

السياسية - Tuesday 27 January 2026 الساعة 04:47 pm
الحديدة، نيوزيمن، خاص:

لم يكن صباح ذلك اليوم مختلفًا عن غيره في مدرسة الوحدة بكُدمة جبارة بمديرية الزهرة شمال محافظة الحديدة، سوى أن نهايته كانت فاجعة. أثناء مراجعته الدروس مع طلابه استعدادًا للاختبارات، سقط الأستاذ يوسف محمد جبارة، وكيل المدرسة، مغشيًا عليه داخل الفصل، قبل أن يفارق الحياة إثر جلطة قلبية مفاجئة، في مشهد صادم أعاد تسليط الضوء على المأساة الإنسانية التي يعيشها المعلمون والمعلمات في مناطق سيطرة ميليشيا الحوثي، نتيجة نهب المرتبات والضغوط النفسية والانتهاكات المتواصلة.

وقالت مصادر محلية إن الأستاذ جبارة توفي أثناء تأدية عمله، في ثاني حادثة وفاة لمعلم داخل المدرسة خلال أقل من أسبوعين، مؤكدة أن محاولات إسعافه باءت بالفشل، بينما خيّم الذهول والحزن على طلابه وزملائه. وأوضحت المصادر أن المعلم الراحل كان قد تلقى مؤخرًا خبر إدراجه ضمن ما يسمى بـ"قوائم الفائض – الفئة (ج)"، وفق سياسة التصنيف التي أقرتها سلطة صنعاء، وهو قرار حرمَه من معظم مستحقاته المالية، ولم يعد يتلقى سوى ربع راتب كل ثلاثة أشهر، بعد أن كان نصف الراتب يُصرف له بشكل متقطع.

وأضافت أن هذا القرار تسبب له بضغوط نفسية ومعيشية كبيرة، في ظل عجزه عن تلبية احتياجات أسرته الأساسية، وهو ما يرجح أن الصدمة النفسية كانت عاملًا مباشرًا في تدهور حالته الصحية ووفاته المفاجئة.

وتواصل ميليشيا الحوثي تنفيذ عملية تسريح جماعي غير معلنة لآلاف المعلمين وموظفي قطاع التربية والتعليم، عبر تصنيف الكوادر إلى ثلاث فئات (أ، ب، ج)، حيث يجري تهميش الفئة (ج) تدريجيًا وإقصاؤها وظيفيًا وماليًا، في وقت يعيش فيه المعلمون أوضاعًا معيشية هي الأسوأ منذ عقود، دون أي ضمانات أو حلول.

إنهاك المعلم وإنكساره في المجتمع

ويقول التربوي محمد دغشر إن المعلمين في مناطق سيطرة الحوثيين يواجهون ما وصفه بـ"الشيخوخة المبكرة"، مؤكدًا أن الأزمة لا تتعلق فقط بتأخر أو انعدام الراتب، بل تمتد إلى تراجع مكانة المعلم وانكسار هيبته الاجتماعية نتيجة السياسات المالية والممارسات التي تُمارس بحقه.

وأوضح دغشر أن المعلم يعيش تحت ضغط دائم ناتج عن العجز عن تأمين احتياجات أسرته الأساسية، معتبرًا أن إبقاء من يعلّم الأجيال في دائرة العوز يمثل "جريمة صامتة" تنعكس بشكل مباشر على الاستقرار الاجتماعي ومستقبل التعليم. وأضاف أن المفارقة المؤلمة تكمن في رؤية المعلم لطلابه بعد سنوات وقد تحسنت أوضاعهم المعيشية، بينما يظل هو مثقلًا بالأعباء، يتجنب حتى طلب المساعدة حفاظًا على كرامته.

وأكد أن الخطر الأكبر لا يكمن في تأخر الراتب وحده، بل في الرسالة السلبية التي يتلقاها الأطفال عندما يرون معلمهم عاجزًا عن توفير الدواء أو الإيجار، ما يرسخ لديهم قناعة خطيرة بأن العلم لا يحمي صاحبه ولا يضمن له حياة كريمة، مشددًا على أن المعلم هو اللبنة الأساسية في بناء المجتمع، وأن إضعافه يفتح الباب لانهيار منظومة القيم والتعليم معًا.

مطالب تتجاهلها السلطة

من جهته، حذّر صالح أحمد الضبياني، رئيس لجنة متابعة حقوق التربويين، من استمرار ما وصفه بـ"الاستهتار" بحقوق المعلمين المصنفين ضمن الفئة (ج)، منتقدًا الآلية المعتمدة لتصحيح أوضاعهم، والتي تقوم على مبدأ "الاستبدال" بدلًا من إنصاف المظلومين عبر الجهات المختصة.

وأوضح الضبياني أن التربوي الذي يسعى لتصحيح وضعه ونقله من (ج) إلى (ب) يُطلب منه العودة إلى مكتب التربية في مديريته لتقديم مذكرة تمنحه بديلًا من "المنقطعين"، ليُنقل المنقطع إلى (ج) ويحصل هو على (ب)، معتبرًا أن هذا الإجراء يُحمّل الضحية مسؤولية خطأ لم ترتكبه، رغم أنه مستمر في عمله ومثبت ضمن الإقرارات الرسمية.

وأشار إلى مصير عدد من المستشارين والقيادات التربوية والمرضى المصنفين ضمن الفئة (ج)، الذين جرى إقصاؤهم من أعمالهم دون مهام بديلة، رغم سنوات طويلة من الخدمة، لافتًا إلى استقطاع نصف مرتب نوفمبر للإداريين والمفتشين والموجهين المصنفين (ب) وتحويله إلى ربع مرتب لم يُصرف حتى اليوم، متسائلًا عن مصير مستحقاتهم اللاحقة، وداعيًا إلى إعادة هيكلة لجنة متابعة الحقوق، وإلزام نقابات التعليم بأداء دورها، وتفعيل الضغط الإعلامي والمجتمعي.

انتهاك صريح للحقوق وتكريس للتمييز

بدوره، اعتبر الناشط التربوي محسن الدار أن آلية صرف المرتبات التي تعتمدها سلطة الحوثي في صنعاء تمثل انتهاكًا واضحًا لحق الموظف وأسرته في العيش الكريم، وتسهم في تكريس التمييز الوظيفي والاجتماعي. وأوضح أن تقسيم الموظفين إلى فئات (أ، ب، ج) ترتب عليه حرمان فئة واسعة من صرف نصف الراتب الشهري دون سند قانوني، مؤكدًا أن القرار صدر بقرار إداري من وزير المالية في حكومة الحوثيين، وليس بقانون صادر عن جهة تشريعية.

وأشار الدار إلى أن المبررات الرسمية لهذا الاستثناء تغيّرت أكثر من مرة، من الادعاء بامتلاك بعض الجهات "مصادر ذاتية" إلى التذرع بـ"الموارد المتاحة"، معتبرًا أن هذه التبريرات غير صحيحة، خاصة وأن المستثنين يمثلون الغالبية العظمى من موظفي الدولة الذين يعيشون أوضاعًا معيشية شديدة القسوة. كما لفت إلى تسجيل متداول لممثل عن قطاع الإعلام وصف فيه الآلية بـ"العنصرية"، مطالبًا بالمساواة وصرف المرتبات دون تمييز والوفاء بالوعود السابقة.

وختم الدار بالتأكيد على أن الجوع لا يحتمل التأجيل، وأن مناهضة أسبابه واجب وطني وإنساني، محذرًا من أن استمرار هذه السياسات لا يمسّ كرامة الموظفين فحسب، بل يهدد أمن المجتمع ومستقبل أجياله.