رسالة أميركية تعرقل طريق المالكي إلى رئاسة الحكومة في العراق

العالم - منذ 5 ساعات و 26 دقيقة
بغداد، نيوزيمن:

تدخل الساحة السياسية العراقية مرحلة شديدة الحساسية مع تصاعد المواجهة غير المسبوقة بين واشنطن وبغداد على خلفية ترشيح رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي للعودة إلى رئاسة الحكومة، في مشهد يعكس عمق الصراع على النفوذ داخل العراق، ويعيد إلى الواجهة سؤال السيادة الوطنية وحدود التأثير الخارجي في مسار العملية السياسية بعد أكثر من عقدين على تغيير النظام عام 2003. 

فالعراق، الذي ظل طوال السنوات الماضية يسير على حبل مشدود بين واشنطن وطهران، يجد نفسه اليوم أمام اختبار سياسي جديد قد يرسم ملامح المرحلة المقبلة، ليس فقط على مستوى تشكيل الحكومة، بل على مستوى علاقاته الدولية واستقراره الاقتصادي والأمني.

في هذا السياق، أعلن نوري المالكي، الأربعاء، تمسكه بالترشح لمنصب رئيس مجلس الوزراء، متحديًا التحذيرات الأميركية العلنية، ومؤكدًا أن قراره يستند إلى ما وصفه بالإرادة الوطنية والسياق الدستوري الذي يحكم اختيار رئيس الحكومة. 

وقال المالكي في بيان نشره عبر حسابه على منصة "إكس" إن التدخل الأميركي في الشأن العراقي يمثل "تدخلاً سافراً وانتهاكًا لسيادة العراق"، مشددًا على أن النظام الديمقراطي الذي تأسس بعد عام 2003 لا يسمح بفرض الإملاءات الخارجية على قرارات القوى السياسية العراقية. وأضاف أن لغة الحوار بين الدول يجب أن تقوم على الاحترام المتبادل، لا على التهديد والضغط السياسي، مؤكدًا استمراره في مساعيه السياسية "حتى النهاية وبما يحقق المصالح العليا للشعب العراقي".

تصريحات المالكي جاءت ردًا مباشرًا على تحذير أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الثلاثاء، أعلن فيه صراحة أن الولايات المتحدة لن تقدم أي دعم للعراق في حال إعادة تنصيب المالكي رئيسًا للوزراء. وكتب ترامب على منصته "تروث سوشيال" أن العراق قد يرتكب "خطأً فادحًا" إذا أعاد المالكي إلى السلطة، معتبرًا أن فترة حكمه السابقة كانت سببًا في انزلاق البلاد نحو الفقر والفوضى، ومؤكدًا أن تكرار تلك التجربة لن يكون مقبولًا من وجهة نظر واشنطن. 

وذهب ترامب إلى أبعد من ذلك حين قال إن العراق، من دون المساعدة الأميركية، "لن تكون لديه أي فرصة للنجاح أو الازدهار أو حتى الحرية".

التحذير الأميركي لم يكن مجرد موقف إعلامي عابر، بل جاء ضمن سياق أوسع من الضغوط السياسية التي تمارسها إدارة ترامب على القوى العراقية، في إطار حملة تستهدف تقليص نفوذ الجماعات والفصائل المرتبطة بإيران داخل مؤسسات الدولة العراقية. 

وفي هذا الإطار، كشفت صحيفة "الشرق الأوسط" أنها اطلعت على نص رسالة أميركية جرى عرضها على قادة "الإطار التنسيقي"، عبّرت فيها واشنطن عن اعتراضها على آليات اختيار رئيس الوزراء والمناصب القيادية الأخرى، في إشارة واضحة إلى ترشيح المالكي. ونقلت الصحيفة عن مصادر مطلعة أن الإدارة الأميركية أبلغت قياديًا بارزًا في الإطار التنسيقي رفضها استمرار ما وصفته بالهيمنة الإيرانية على عملية تشكيل الحكومة العراقية.

وبحسب الصحيفة نفسها، فإن هذه الرسالة الأميركية تسببت في إرباك واضح داخل تحالف "دولة القانون" الذي يقوده المالكي، حيث أقرّ أحد قياديي التحالف بأن طريق المالكي نحو ولاية ثالثة بات "بالغ الصعوبة" في ظل هذا الضغط الدولي المتصاعد. ويأتي ذلك في وقت أعلن فيه "الإطار التنسيقي"، السبت الماضي، رسميًا ترشيح المالكي لمنصب رئيس مجلس الوزراء، عقب اجتماع موسع لقادته عُقد في مكتب زعيم منظمة بدر هادي العامري، جرى خلاله بحث تطورات المشهد السياسي والاستحقاقات الدستورية المقبلة.

هذا التطور وضع القوى السياسية العراقية أمام معادلة معقدة، فبينما ترى أطراف داخل الإطار التنسيقي أن ترشيح المالكي يمثل حقًا دستوريًا نابعًا من نتائج الانتخابات والتوازنات البرلمانية، تحذر أطراف أخرى من أن تجاهل التحذيرات الأميركية قد يفتح الباب أمام تداعيات اقتصادية وسياسية خطيرة، خاصة في ظل التلويح بفرض عقوبات أو تقليص التعاون مع بغداد، بما في ذلك ملفات حساسة مثل عائدات النفط والدعم المالي.

وتشير تقارير لوكالة "رويترز" إلى أن الولايات المتحدة لوّحت، في إطار هذه الحملة، بفرض عقوبات محتملة على شخصيات سياسية عراقية بارزة، في حال مشاركة فصائل مسلحة مدعومة من إيران في الحكومة المقبلة، أو في حال المضي قدمًا في خيارات تعتبرها واشنطن تهديدًا لمصالحها في العراق والمنطقة. وتؤكد الوكالة أن هذه الضغوط تعكس إصرار إدارة ترامب على إعادة رسم حدود النفوذ داخل العراق، في ظل صراع إقليمي أوسع مع طهران.

في المقابل، يرى مراقبون أن إصرار المالكي على الترشح، رغم كل هذه التحذيرات، يعكس ثقته بالدعم الذي يحظى به داخل بعض الأوساط الشيعية، فضلًا عن رغبته في تقديم نفسه كمدافع عن السيادة الوطنية في مواجهة الضغوط الخارجية. غير أن هذا الخيار، بحسب محللين، قد يزيد من حدة الانقسام الداخلي ويضع العراق في مواجهة مباشرة مع شريك دولي لا يزال يلعب دورًا محوريًا في ملفات الأمن والاقتصاد وإعادة الإعمار.

وبين شدّ الحبل الأميركي وتمسك قوى عراقية بمرشحها، يبقى المشهد مفتوحًا على سيناريوهات متعددة، تتراوح بين التوصل إلى تسوية سياسية تفضي إلى مرشح توافقي، أو المضي في مواجهة قد تعمّق عزلة العراق الدولية وتعيده إلى دائرة الصراعات الإقليمية والدولية، في وقت لا يزال فيه البلد يعاني من تحديات اقتصادية وأمنية جسيمة.