إدارة السيولة ومخاوف التضخم.. "مركزي عدن" يضخ أموالًا محتجزة منذ سنوات
إقتصاد - منذ ساعة و 37 دقيقة
عدن، نيوزيمن، خاص:
في ظل أوضاع اقتصادية شديدة التعقيد، وضغوط معيشية متراكمة انعكست بشكل مباشر على سعر صرف العملة المحلية، اتخذ البنك المركزي اليمني في العاصمة عدن خطوة وُصفت بأنها الأكثر حساسية منذ سنوات، تمثلت في إدخال كمية من العملة المحلية المطبوعة خلال الأعوام الماضية إلى نطاق التداول النقدي، بعد أن ظلت محتجزة في ميناء عدن منذ عام 2021.
وتأتي هذه الخطوة في مرحلة تشهد فيها السوق النقدية اختلالًا واضحًا في هيكل السيولة، حيث تزايد المعروض من العملات الأجنبية، خصوصًا الريال السعودي، مقابل شح نسبي في الريال اليمني، ما أدى إلى تشوهات في آلية العرض والطلب، وفتح المجال أمام المضاربة والتلاعب بأسعار الصرف.
اقتصاديًا، لا يمكن قراءة هذه الخطوة بمعزل عن سياقها العام، إذ تحاول السلطات النقدية إدارة التوازن الدقيق بين توفير السيولة اللازمة لتسيير النشاط الاقتصادي، ومنع أي توسع نقدي غير محسوب قد يؤدي إلى موجة تضخم جديدة أو تدهور حاد في قيمة العملة المحلية.
محافظ البنك المركزي اليمني أحمد غالب في تصريحات صحفية وضع النقاط على الحروف، كاشفًا حقيقة الأموال التي أُثير حولها جدل واسع خلال الأيام الماضية، مؤكدًا أن ما تم إدخاله لا يمثل كتلة نقدية جديدة، ولا يعكس تغييرًا في السياسة النقدية القائمة.
وأوضح غالب أن الحاويات التي وصلت إلى ميناء عدن الشهر الماضي تحتوي على أوراق نقدية مطبوعة سابقًا، لا تتجاوز قيمتها ما يعادل 25 مليون دولار أمريكي، وهي كمية محدودة قياسًا بحجم السوق النقدية، ولا يمكن – من الناحية الفنية – أن تُحدث صدمة تضخمية أو انهيارًا في سعر الصرف.
وأشار إلى أن هذه الأموال ظلت محتجزة في الميناء منذ أكثر من أربع سنوات، نتيجة قرار مدروس اتخذه البنك المركزي حينها، في ظل أوضاع اقتصادية هشة وشح حاد في النقد الأجنبي، حيث كان ضخ أي سيولة إضافية سيؤدي إلى انفلات نقدي واسع.
وبحسب محافظ البنك المركزي، فإن إدخال هذه الحاويات لم يكن خيارًا سياسيًا أو اقتصاديًا بحتًا، بل جاء نتيجة ضغوط متزايدة من إدارة موانئ عدن، التي أخلت مسؤوليتها عن استمرار تخزين هذه الأموال لفترة طويلة، خاصة مع تنامي المخاطر الأمنية المرتبطة ببقائها في الميناء.
وأوضح غالب أن البنك المركزي لم يكن يخطط لضخ هذه الأموال في السوق، بل كان يسعى إلى تأمينها وإعادة إدخالها إلى المنظومة المصرفية، مؤكدًا أن هناك خلطًا متعمدًا – أو جهلًا اقتصاديًا – لدى بعض الأطراف التي استغلت الموضوع لمهاجمة البنك دون إدراك لتداعيات الخطاب التحريضي على ثقة السوق واستقرار العملة.
في سياق تفنيد الاتهامات، شدد محافظ البنك المركزي على أن المؤسسة النقدية لم تضخ أي عملة جديدة منذ مطلع عام 2022، بل انتهجت سياسة معاكسة تمامًا، تمثلت في سحب نحو 3 تريليونات ريال يمني خلال السنوات الماضية، وإعادة تدويرها عبر صرف الرواتب والنفقات العامة.
وساهمت هذه السياسة، وفق غالب، في منع حدوث اختناقات سيولة خانقة، وضبط الكتلة النقدية المتداولة، رغم التحديات الكبيرة التي فرضتها الحرب، وانقسام المؤسسات المالية، وتراجع الإيرادات العامة. وكشف المحافظ أن المملكة العربية السعودية ضخت خلال يناير الماضي نحو مليار ريال سعودي لتغطية رواتب الموظفين اليمنيين، وهو ما انعكس بشكل مباشر على زيادة المعروض من النقد الأجنبي في السوق.
غير أن غالب أشار إلى أن بعض الأصوات ركزت على مسألة إدخال العملة المحلية، متجاهلة السياق الأوسع، المتمثل في اختلال ميزان السيولة بين الريال اليمني والعملات الأجنبية، وهو ما يفرض على البنك المركزي إدارة المشهد بأدوات مركبة، وليس عبر قرارات سطحية.
من جانبه، قدّم الكاتب الصحفي والمهتم بالشأن الاقتصادي ماجد الداعري قراءة تحليلية للسوق، مؤكدًا أن السوق المحلية لا تزال منذ أسابيع متشبعة بالريال السعودي والدولار الأمريكي، نتيجة زيادة المعروض الأجنبي على حساب الريال اليمني، وبشكل غير مسبوق.
وأوضح الداعري أن هذا الواقع يخلق فرصة سانحة للبنك المركزي لتحريك أدواته النقدية، وتحسين قيمة الريال، وإعادة تفعيل العقوبات بحق الصرافين والبنوك الممتنعة عن إخراج الكتل النقدية المحلية المحتجزة. وأضاف أن الحكومة ملزمة خلال الفترة المقبلة بمصارفة أكثر من مليار ريال سعودي من المرتبات المخصصة للتشكيلات العسكرية والأمنية والمؤسسات الحكومية، وهو ما يتطلب بالضرورة توفير سيولة كافية من الريال اليمني لضمان استقرار السوق.
ويؤكد الداعري أن الإجابة الاقتصادية الواضحة هي: لا، مستندًا إلى جملة من الأسباب، أبرزها أن هذه الأموال تُعد أصلًا ضمن الكتلة النقدية القائمة منذ طباعتها، ولم تُستخدم سابقًا لعدم الحاجة، وليس لأنها طُبعت حديثًا.
كما أشار إلى أن إدخالها يحقق توازنًا ضروريًا مع فائض العملات الأجنبية، ويُحبط محاولات بعض كبار المضاربين تخزين الريال اليمني واستخدامه كورقة ضغط على السوق. وأكد أن استمرار القبضة الرقابية للبنك المركزي، وتفعيل أدواته العقابية، إلى جانب استمرار تدفق الدعم الخارجي، وتحسن البيئة الأمنية والسياسية في المحافظات المحررة، كلها عوامل تقلل من مخاطر أي هزات نقدية.
>
