اغتيال سيف الإسلام القذافي.. ليبيا أمام مرحلة غامضة

العالم - منذ ساعة و 50 دقيقة
ليبيا، نيوزيمن:

أعاد الإعلان عن مقتل سيف الإسلام معمر القذافي، نجل الزعيم الليبي الراحل، خلط الأوراق داخل المشهد الليبي المعقد، بعد تأكيد مصادر ليبية مقتله في هجوم مسلح استهدف مقر إقامته جنوب مدينة الزنتان، غربي البلاد، في واقعة أثارت صدمة واسعة وردود فعل متباينة.

ووفق المعلومات المتداولة، نفذ مسلحون مجهولون الهجوم بعد تعطيل كاميرات المراقبة داخل حديقة المنزل، قبل إطلاق النار عليه بشكل مباشر والفرار من المكان، في عملية وُصفت بالسريعة والمنظمة. وأكد رئيس الفريق السياسي لسيف الإسلام صحة نبأ مقتله، مشددًا على موثوقية المعلومات، دون الكشف عن تفاصيل إضافية تتعلق بزمان أو مكان الوفاة.

وفي أعقاب الحادث، أعلن النائب العام الليبي فتح تحقيق رسمي، موضحًا أن فرق التحقيق انتقلت إلى موقع الحادث برفقة أطباء شرعيين وخبراء أسلحة وبصمة وسموم، حيث جرت مناظرة الجثمان، التي أثبتت تعرضه لأعيرة نارية قاتلة. وأكدت النيابة الشروع في جمع الأدلة وتحديد دائرة المشتبهين، تمهيدًا لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

لم يكن سيف الإسلام القذافي مجرد اسم عابر في المشهد الليبي، بل مثّل لسنوات إحدى أكثر الشخصيات إثارة للجدل منذ سقوط نظام والده عام 2011. فقد أُلقي القبض عليه في نوفمبر من ذلك العام، قبل أن يُفرج عنه لاحقًا في مدينة الزنتان، حيث ظل محتجزًا لسنوات وسط انقسام قانوني وسياسي بشأن وضعه.

ورغم صدور حكم بالإعدام بحقه عام 2015، وبقائه مطلوبًا للمحكمة الجنائية الدولية، عاد سيف الإسلام إلى الواجهة السياسية نهاية عام 2020 بإعلانه الترشح للانتخابات الرئاسية، مستندًا إلى دعم أنصار النظام السابق وقاعدة اجتماعية ذات طابع قبلي، لا سيما في الجنوب الليبي وأجزاء من الغرب.

هذا الحضور جعله رمزًا سياسيًا مزدوج الدلالة؛ فبينما اعتبره أنصاره جزءًا من معادلة لا يمكن تجاوزها في أي مصالحة وطنية شاملة، رأى خصومه أنه يمثل امتدادًا لمرحلة يجب طيّ صفحتها، وهو ما جعل وجوده عنصرًا إشكاليًا في أي تسوية سياسية محتملة.

ويأتي مقتل سيف الإسلام في توقيت بالغ الحساسية، بينما تشهد ليبيا مسارات حوار برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، تسعى إلى تجاوز حالة الانسداد السياسي والوصول إلى تسوية شاملة تفضي إلى انتخابات طال انتظارها.

ويرى مراقبون أن غياب سيف الإسلام قد يوجه ضربة لمسار المصالحة الوطنية، خصوصًا أن التيار المحسوب عليه كان منخرطًا في ميثاق المصالحة ويمثل شريحة اجتماعية لا يستهان بها. في المقابل، يذهب آخرون إلى أن ترشحه للانتخابات عام 2021 كان أحد العوامل التي أسهمت في تعطيل الاستحقاق، بسبب الخلافات حول أهليته ومعايير الإقصاء، ما جعل اسمه نقطة خلاف أكثر منه عنصر توافق.

وفي هذا السياق، اعتبر محللون أن مقتله لا يحل الإشكال الجوهري المتعلق بقواعد العملية السياسية والقاعدة الدستورية، بقدر ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد، ويعمّق فجوة الثقة بين الأطراف المتنافسة، في ظل استمرار الانقسام المؤسسي وغياب سلطة مركزية موحدة.

وعلى الصعيد الأمني، أثار الحادث مخاوف من تداعيات محتملة، لا سيما في المناطق التي يُعتقد أن لسيف الإسلام فيها امتدادات قبلية وشعبية، خصوصًا في الجنوب الليبي. ويحذر مراقبون من أن غياب كشف سريع وشفاف لملابسات الجريمة قد يفتح الباب أمام أعمال انتقامية أو توترات محلية، في بيئة تعاني أصلًا من انتشار السلاح وسطوة الميليشيات.

ويرى خبراء أن مقتل سيف الإسلام، رغم عدم تأثيره المباشر على موازين القوى العسكرية، يعمّق مناخ انعدام الثقة، ويكرس ظاهرة الإفلات من العقاب المرتبطة بالاغتيالات السياسية، وهو ما يقوض ما تبقى من ثقة في مؤسسات الدولة.

وفي ظل تراجع الاهتمام الدولي بالملف الليبي، وانشغال القوى الكبرى بأزمات إقليمية ودولية أخرى، تبقى ليبيا أمام اختبار جديد لقدرتها على احتواء صدمة سياسية وأمنية بهذا الحجم. وبينما تترقب الأوساط الليبية نتائج التحقيقات، يبقى المشهد مفتوحًا على سيناريوهات متعددة، تتراوح بين احتواء التداعيات أو الانزلاق مجددًا نحو موجة جديدة من عدم الاستقرار.