عودة تدريجية للرئاسي والحكومة إلى عدن.. استعادة الحضور واحتواء الغضب الجنوبي
السياسية - منذ 3 ساعات و 3 دقائق
عدن، نيوزيمن، خاص:
تشكل العودة التدريجية لقيادة مجلس القيادة الرئاسي وأعضاء الحكومة اليمنية إلى الداخل، وتحديدًا إلى العاصمة عدن، نقطة فاصلة في مسار إدارة الدولة في الجنوب، لكنها تأتي في سياق سياسي واجتماعي شديد التعقيد. فالمشهد الجنوبي اليوم ليس مجرد ساحة إدارية لاستئناف العمل الحكومي، بل بيئة مثقلة بتراكمات النزاع المسلح، والاحتقان الشعبي، وأزمة ثقة عميقة بين القوى المحلية وممثلي السلطة المركزية.
والخميس، عاد عضو مجلس القيادة الرئاسي اللواء الركن محمود أحمد سالم الصبيحي إلى العاصمة عدن، كأول عضو في المجلس يعود إلى الداخل عقب التطورات الأخيرة وإعادة هيكلة المجلس وتشكيل الحكومة الجديدة. كما عاد ايضًا عدد من الوزراء وقيادات الدولة، في تحرك يُنظر إليه كمؤشر على مساعٍ لإعادة تفعيل العمل التنفيذي من داخل البلاد، وتعزيز الحضور المؤسسي في مركز القرار الحكومي.
وشملت العودة وزير التربية والتعليم الدكتور عادل عبدالمجيد، ووزير الصحة العامة والسكان الدكتور قاسم محمد قاسم بحيبح، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي، الدكتورة أفراح الزوبه، إلى جانب قيادات أمنية وعسكرية ونواب وزراء، حيث يُتوقع أن يباشر الوزيران مهامهما ميدانياً في عدن، في ظل تحديات كبيرة تواجه القطاعين التربوي والصحي.
كما وصل وزير النفط والمعادن الدكتور محمد بامقاء إلى أرخبيل سقطرى، حيث دشن إجراءات عملية لمعالجة أزمة المشتقات النفطية، بتمويل وتعاون مشترك بين شركة النفط اليمنية والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن.
وتأتي هذه العودة في ظل موجة احتجاجات متصاعدة تشهدها محافظات الجنوب منذ أسابيع، تعبيرًا عن رفض شعبي لما يُوصف بسياسات إقصاء وتهميش تجاه القضية الجنوبية وممثلها السياسي، المجلس الانتقالي الجنوبي. وتربط مصادر محلية بين تصاعد الاحتجاجات وتدهور الخدمات الأساسية، إضافة إلى حملات اعتقالات طالت متظاهرين في وادي حضرموت، وأعمال عنف تعرض لها متظاهرين في شبوة ما عمّق حالة الغضب الشعبي.
ويرى خبراء سياسيون أن أي عودة حكومية لا تواكبها مقاربة سياسية وأمنية واضحة لمعالجة أسباب الاحتقان قد تفتح الباب أمام موجة جديدة من الصدامات، في ظل هشاشة الاستقرار القائم في المحافظات المحررة من الحوثيين. فالمشكلة، وفق مراقبين، لا تتعلق بغياب الحضور الحكومي فحسب، بل بطبيعة العلاقة المتوترة بين السلطة المركزية والقوى الجنوبية الفاعلة.
ولطالما شكل غياب القيادة الرئاسية عن الداخل أحد أبرز عناصر الانتقاد الموجهة للسلطة التنفيذية. ويرى محللون أن العودة التدريجية، التي بدأها اللواء الصبيحي، قد تمثل خطوة أولى لتقليص فجوة "الإدارة عن بُعد" التي أثرت على الأداء المؤسسي خلال السنوات الماضية. غير أن فاعلية هذه العودة ستظل مرهونة بمدى استكمالها بحضور كامل لمجلس القيادة الرئاسي، وقدرته على الانخراط المباشر في إدارة الملفات السياسية والأمنية الحساسة.
عمليًا، تواجه الحكومة جملة من التحديات المتداخلة، تبدأ بملف تطبيع الأوضاع الأمنية ودمج وتوحيد القوات العسكرية والأمنية، ولا تنتهي عند الأزمات الاقتصادية والخدمية المتفاقمة، بما في ذلك صرف الرواتب، وتحسين الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وتنمية الموارد، ومكافحة الفساد الإداري والمالي.
ويرى مراقبون أن التشكيلة الحكومية القائمة على المحاصصة السياسية تعقّد مهمة المعالجة، خصوصًا في ظل تحفظات جنوبية على بعض القوى السياسية المشاركة فيها. ويُحذر من أن أي إخفاق في التعامل مع هذه الملفات سيُترجم سريعًا إلى ضغط شعبي جديد، قد ينعكس في احتجاجات أوسع أو توترات أمنية.
وتتجاوز إشكالية العودة البعد الإداري إلى أزمة ثقة متراكمة بين الشارع الجنوبي والحكومة. فقد أفرزت التطورات الميدانية الأخيرة في حضرموت والمهرة، وانتشار القوات الجنوبية هناك، معادلات جديدة زادت من حساسية المشهد، ووسّعت فجوة الثقة بين القوى الجنوبية ونظيرتها الشمالية.
ويحذر محللون من أن أي تعامل أمني صارم مع الاحتجاجات سيؤدي إلى تعميق الاستقطاب، وإضعاف قدرة الحكومة على العمل في بيئة مستقرة، ما يستدعي تبني مقاربة أكثر توازنًا تراعي خصوصية الجنوب وتطلعاته السياسية.
وتمثل عودة الحكومة إلى عدن اختبارًا مزدوجًا: اختبارًا لمدى قدرتها على تحويل الحضور السياسي إلى نتائج ملموسة على الأرض، واختبارًا لقدرتها على الجمع بين الشرعية الدستورية والقبول الشعبي. فنجاح الخطوة لا يقاس بعدد العائدين أو رمزية العودة، بل بمدى انعكاسها الفعلي على حياة المواطنين، من خلال تحسين الخدمات، وضبط الأداء المؤسسي، وتعزيز الشفافية.
وبينما تتجه الأنظار إلى ما ستسفر عنه الأيام المقبلة من خطوات عملية، يبقى التحدي الأبرز أمام الحكومة هو الانتقال من مرحلة "استعادة الحضور" إلى مرحلة "إنتاج الاستقرار"، عبر حوار سياسي جاد، ومعالجات أمنية متوازنة، وخطط اقتصادية واقعية، تحول عدن من ساحة تجاذبات إلى مركز فعلي لإدارة الدولة، وتمنع الانزلاق نحو موجة جديدة من التوترات في الجنوب اليمني.
>
