ابتزاز تعليمي.. الحوثيون يربطون الدراسة بالمخيمات الصيفية

الحوثي تحت المجهر - منذ 3 ساعات و 45 دقيقة
إب، نيوزيمن، خاص:

تواصل ميليشيا الحوثي الإيرانية من تحوّل المدارس والمخيمات الصيفية في مناطق سيطرتها إلى منصات للتعبئة الفكرية والتجنيد، بدلًا من كونها بيئة تعليمية آمنة. 

وتكشف تقارير تربوية وحقوقية عن نمط متكرر من استغلال هذه الأنشطة لاستقطاب الأطفال والشباب، وغرس أفكار طائفية تمهّد لزجّهم في جبهات القتال، في إطار مشروع أوسع لإعادة تشكيل وعي الأجيال بما يخدم أجندة الجماعة المرتبطة بـ إيران.

وتشير هذه المعطيات إلى أن المخيمات الصيفية لم تعد مجرد أنشطة تعليمية أو ترفيهية، بل تحوّلت إلى أدوات ضغط ممنهجة تُستخدم لإجبار الطلاب على الانخراط في برامج ذات طابع أيديولوجي، في ظل غياب الرقابة وتراجع دور المؤسسات التعليمية الرسمية.

مشاركة تحت التهديد

أفادت مصادر تربوية في محافظة إب أن جماعة الحوثي أصدرت توجيهات ملزمة لمديري المدارس الحكومية تقضي بإجبار الطلاب على حضور الدورات الصيفية التي تنظمها في المدارس والمساجد، والحصول على "شهادة مشاركة" كشرط أساسي للتسجيل في العام الدراسي المقبل.

وبحسب المصادر، فإن إدارات المدارس بدأت بالفعل التواصل مع الطلاب وأولياء أمورهم لإبلاغهم بهذه التعليمات، التي تتضمن تهديدًا واضحًا بحرمان أي طالب من الالتحاق بالدراسة في حال عدم مشاركته في تلك المراكز.

وتوسعت هذه الإجراءات لتشمل محافظتي إب وذمار، حيث تم ربط تسليم نتائج الاختبارات النهائية باستكمال المشاركة في المخيمات الصيفية، ما وضع آلاف الأسر أمام خيار قسري بين مستقبل أبنائهم التعليمي والخضوع لهذه الشروط.

وفي خطوة تصعيدية، كشفت المصادر أن الجماعة عمدت إلى احتجاز نتائج الطلاب كوسيلة ضغط لإجبارهم على الالتحاق بالمراكز الصيفية، وهو ما اعتبره تربويون انتهاكًا صارخًا لحق التعليم.

وأكد أولياء أمور أن إدارات المدارس رفضت تسليم نتائج أبنائهم، واشترطت بشكل غير مباشر الالتحاق بالمخيمات أولًا، معتبرين أن هذه الممارسات "تحوّل التعليم إلى أداة ابتزاز"، وتفرغه من مضمونه كحق أساسي.

كما أشار تربويون إلى تعرض بعض الطلاب لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، مقابل وعود بمنح النجاح للمتعثرين في حال مشاركتهم، ما يعكس تسييسًا خطيرًا للعملية التعليمية.

رفض شعبي

وتأتي هذه الإجراءات في ظل تراجع ملحوظ في إقبال الأسر على تسجيل أبنائها في المخيمات الصيفية الحوثية، نتيجة تنامي الوعي المجتمعي بمخاطر هذه الأنشطة. ويؤكد عاملون في القطاع التربوي أن هذا الرفض المجتمعي دفع الجماعة إلى تبني وسائل قسرية لإجبار الطلاب على المشاركة، مستغلة هشاشة النظام التعليمي وغياب البدائل.

ويرى مراقبون أن هذه السياسات تعكس أزمة حقيقية تواجهها الجماعة في الحفاظ على زخم التجنيد، ما يدفعها إلى استخدام أدوات التعليم كوسيلة لتعويض هذا التراجع.

وفي سياق موازٍ، تصاعدت الانتهاكات بحق الرافضين للالتحاق بالمخيمات الصيفية، حيث أفادت مصادر محلية بأن عناصر تابعة لجماعة الحوثي نفذت حملات مداهمة في محافظة إب، استهدفت طلابًا وشبانًا رفضوا الانخراط في تلك الأنشطة.

وذكرت المصادر أن حملة أمنية اقتحمت منازل في إحدى قرى مديرية المخادر، وروّعت النساء والأطفال، قبل أن تقوم باختطاف عدد من الشباب والطلاب، بينهم طلاب كانوا يؤدون امتحاناتهم، حيث تم اعتراضهم وإطلاق النار في الهواء ثم اقتيادهم إلى السجون.

وتأتي هذه الحوادث في ظل تقارير عن اعتقال تربويين وأولياء أمور عبّروا عن رفضهم لهذه السياسات، ما يعكس تصعيدًا في التعامل مع أي معارضة مجتمعية.

تسييس التعليم

من جانبها، حذرت نقابة المعلمين اليمنيين من خطورة هذه المخيمات، مؤكدة أنها تُستخدم كأدوات للتعبئة الفكرية والطائفية، وتجنيد الأطفال ضمن مشروع أوسع يستهدف تغيير الهوية الوطنية. 

وأوضحت النقابة أن الجماعة تعمل منذ سيطرتها على صنعاء على توسيع هذه المراكز لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الأطفال، عبر برامج تقوم على غرس أفكار تقوم على "الاصطفاء السلالي" وتكريس الولاء الأيديولوجي.

كما أشارت إلى أن استهداف التعليم يتم عبر مسارين متوازيين، يتمثل الأول في "تجريف الوعي"، والثاني في إضعاف المعلمين من خلال قطع الرواتب منذ عام 2016، ما يفتح المجال أمام فرض هذه البرامج دون مقاومة مؤسسية.

ودعت النقابة المجتمع الدولي إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ"جريمة تسييس التعليم"، وحماية الأطفال من الاستغلال.

ويرى ناشطون أن ما يجري يتجاوز مجرد أنشطة صيفية، ليصل إلى مستوى "تفخيخ العقول" عبر برامج تعبئة أيديولوجية تستهدف الأطفال في سن مبكرة.

وأشار الناشط إبراهيم عسقين إلى أن الجماعة، بعد فشلها في إقناع الأسر، لجأت إلى فرض المشاركة بالقوة، مستغلة المدارس كوسيلة لنشر أفكار طائفية، وهو ما يضع مسؤولية كبيرة على الأسر في مواجهة هذه التأثيرات.

ويؤكد مراقبون أن هذه السياسات تحمل آثارًا نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال، إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتدفعهم إلى تبني أفكار لا تعكس بيئتهم أو احتياجاتهم، ما يهدد بتكوين جيل مشوّه فكريًا ومعرّض للانخراط في الصراعات المسلحة.

أزمات متراكمة

وتأتي هذه التطورات في وقت يعاني فيه قطاع التعليم في اليمن من أزمات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب، ما يجعل الأطفال أكثر عرضة للاستغلال.

وبحسب إحصائية أخيرة صادر عن منظمة اليونيسف  أن نحو 3.2 ملايين طفل في اليمن ما زالوا خارج المدارس، في ظل أزمات متراكمة تعيق استمرار العملية التعليمية وتحد من قدرة المؤسسات على استيعاب الطلاب. وأوضحت المنظمة أن خطتها لعام 2026 تستهدف إعادة دمج أكثر من 172 ألف طفل في التعليم، بالتعاون مع شركائها، ضمن جهود للحد من تفاقم التسرب الدراسي.

ويرى خبراء أن استمرار هذه الممارسات يهدد بتقويض ما تبقى من النظام التعليمي، وتحويله إلى أداة للصراع بدلًا من كونه وسيلة لبناء المستقبل. وفي ظل غياب حلول جذرية، تبقى المخاوف قائمة من أن تتحول هذه السياسات إلى واقع دائم، يعمّق الأزمة التعليمية، ويزيد من تعقيد المشهد الاجتماعي في اليمن.