تهديدات بإغلاق باب المندب .. طهران تستخدم الحوثيين لابتزاز العالم
السياسية - منذ 3 ساعات و 4 دقائق
عدن، نيوزيمن، خاص:
عادت إيران إلى استخدام ورقة الممرات البحرية الاستراتيجية كأداة للضغط السياسي والعسكري، ملوحةً بإمكانية إعادة إشعال التهديدات التي تستهدف الملاحة الدولية في البحر الأحمر عبر ذراعها المسلحة في اليمن، مليشيا الحوثي، وذلك من خلال تصريحات جديدة حملت إشارات مباشرة إلى احتمال تحويل مضيق باب المندب إلى منطقة اضطراب مماثلة لمضيق هرمز الذي شهد خلال الأشهر الماضية تعطلاً واسعاً بسبب الهجمات والتهديدات الإيرانية المتكررة للسفن وحركة التجارة الدولية.
وقال قائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني إن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة ولبنان، بدعم أمريكي، سيدفع ما يعرف بـ"محور المقاومة" إلى اتخاذ خطوات جديدة من شأنها جعل حركة عبور السفن في مضيق باب المندب مشابهة للوضع القائم في مضيق هرمز.
التصريح الذي نقلته وسائل إعلام إيرانية رسمية لم يُنظر إليه باعتباره مجرد موقف سياسي عابر، بل اعتبره مراقبون تهديداً صريحاً للملاحة الدولية وإشارة واضحة إلى إمكانية إعادة تفعيل الهجمات الحوثية ضد السفن التجارية وناقلات النفط في البحر الأحمر، بعد فترة من التراجع النسبي لتلك العمليات.
وقال قاآني إن "الاعتداءات الإسرائيلية في ظل الدعم الأمريكي ستؤدي إلى تعزيز التزام محور المقاومة بدعم جبهتي لبنان وغزة"، مضيفاً أن ذلك قد يفضي إلى "تغيير وضع عبور السفن من مضيق باب المندب إلى ظروف مشابهة لمضيق هرمز"، في إشارة تعكس توجهاً إيرانياً نحو توسيع نطاق المواجهة ليشمل الممرات البحرية الحيوية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي.
وتكشف التصريحات الإيرانية الأخيرة عن سعي متزايد لتحويل مضيق باب المندب إلى ورقة مساومة إقليمية في الصراع الدائر بين طهران وخصومها، إذ يربط المضيق البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويمثل أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والبضائع بين آسيا وأوروبا.
ويرى محللون أن حديث قاآني عن جعل باب المندب شبيهاً بمضيق هرمز يحمل دلالة خطيرة، فالأخير شهد خلال الأشهر الماضية اضطرابات متكررة نتيجة التهديدات والهجمات الإيرانية التي أثرت على حركة الشحن وأسهمت في ارتفاع تكاليف التأمين والنقل البحري، ما أدى إلى انعكاسات مباشرة على أسواق الطاقة العالمية.
ويحذر خبراء ملاحة دوليون من أن أي محاولة لتعطيل حركة السفن في باب المندب ستؤدي إلى تداعيات أكبر من تلك التي شهدها مضيق هرمز، نظراً لاعتماد جزء كبير من التجارة العالمية على هذا الممر الذي تمر عبره مئات السفن التجارية وناقلات النفط سنوياً.
وتعيد التصريحات الإيرانية إلى الواجهة الدور الذي لعبته مليشيا الحوثي خلال العامين الماضيين في استهداف السفن التجارية والعسكرية في البحر الأحمر وخليج عدن، وهي الهجمات التي تبنت الجماعة تنفيذها تحت مبررات مرتبطة بالحرب في غزة، بينما اعتبرتها دول غربية امتداداً للاستراتيجية الإيرانية الرامية إلى تهديد أمن الملاحة الدولية واستخدام الممرات البحرية كورقة ابتزاز سياسي.
ويعتقد مراقبون أن الإشارة الإيرانية إلى باب المندب لا يمكن فصلها عن النفوذ الواسع الذي تمارسه طهران على الحوثيين، خصوصاً أن الجماعة تسيطر على أجزاء واسعة من الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر وتمتلك ترسانة من الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة التي سبق استخدامها في استهداف سفن تجارية وعسكرية.
وتشير المعطيات إلى أن طهران لا تتحدث عن إغلاق المضيق بصورة مباشرة بقدر ما تلوّح باستخدام الحوثيين لخلق بيئة خطرة تجعل الملاحة البحرية أكثر كلفة وتعقيداً، وهو الأسلوب ذاته الذي اتبعته في مضيق هرمز عبر التهديدات المتكررة والهجمات غير المباشرة.
ولا تمثل تصريحات قاآني حدثاً معزولاً، بل تأتي ضمن سلسلة من التهديدات الإيرانية المتصاعدة خلال الأشهر الأخيرة. ففي مطلع أبريل الماضي، لوّح مستشار المرشد الإيراني علي أكبر ولايتي بإمكانية إغلاق مضيقي هرمز وباب المندب معاً، معتبراً أن ما يسمى "محور المقاومة" ينظر إلى الممرين الاستراتيجيين باعتبارهما ساحة واحدة للمواجهة.
كما نقلت مصادر إيرانية لوكالة "رويترز" في السابع من أبريل تهديدات مماثلة بإمكانية تعطيل الملاحة في باب المندب عبر حلفاء طهران الإقليميين إذا تصاعدت المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وفي منتصف الشهر ذاته، ألمح قائد مقر "خاتم الأنبياء" علي عبد اللهي إلى إمكانية تعطيل التجارة العالمية في البحر الأحمر، في تصريحات فسّرها مراقبون بأنها إشارة إلى استخدام الحوثيين كورقة ضغط جديدة في أي مواجهة إقليمية.
وزادت هذه التهديدات حدة بعد الحرب التي شهدتها المنطقة خلال شهري مارس وأبريل، وما رافقها من ضربات أمريكية وإسرائيلية استهدفت مواقع داخل إيران، الأمر الذي دفع طهران إلى التلويح مجدداً بخيارات تصعيدية تشمل الممرات البحرية الدولية.
ويرى مراقبون أن تكرار التهديدات الإيرانية بشأن باب المندب وهرمز يعكس محاولة لفرض معادلة جديدة تقوم على ربط أمن الملاحة الدولية بمصالح طهران الإقليمية، بحيث يصبح استمرار تدفق التجارة العالمية رهناً بالتطورات السياسية والعسكرية المرتبطة بإيران وحلفائها.
ويؤكد المراقبون أن استهداف الممرات البحرية الدولية يمثل تهديداً مباشراً للاقتصاد العالمي ولأمن الطاقة، خصوصاً أن باب المندب وهرمز يشكلان معاً شريانين رئيسيين لحركة النفط والغاز والبضائع بين الشرق والغرب.
وفي حين تقدم إيران هذه التهديدات باعتبارها جزءاً من الرد على السياسات الأمريكية والإسرائيلية، يرى منتقدون أن اللجوء إلى تعطيل الممرات الدولية أو التهديد بها يكشف عن استخدام الجماعات الحليفة، وفي مقدمتها الحوثيون، كأدوات لفرض الضغوط السياسية والعسكرية خارج الحدود الإيرانية، وهو ما يفاقم من حالة عدم الاستقرار في المنطقة ويزيد من المخاوف الدولية من اتساع دائرة الصراع إلى واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
ومع استمرار التصعيد الإقليمي، تبدو تهديدات طهران الأخيرة مؤشراً على احتمال عودة البحر الأحمر إلى واجهة التوترات الدولية، في حال قررت إيران أو حلفاؤها ترجمة هذه التصريحات إلى خطوات ميدانية تستهدف حركة الملاحة في باب المندب، الأمر الذي قد يفتح فصلاً جديداً من الاضطرابات الاقتصادية والأمنية تتجاوز تداعياته حدود المنطقة إلى الأسواق العالمية بأسرها.
>
