الكتبي: تهديدات باب المندب تكشف سياسة الابتزاز الإيرانية عبر الحوثيين

السياسية - منذ ساعة و 21 دقيقة
أبوظبي، نيوزيمن، خاص:

تكشف التصريحات الأخيرة لقائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني بشأن إمكانية جعل الوضع في مضيق باب المندب مشابهاً لما هو عليه في مضيق هرمز، عن تحول لافت في طبيعة الرسائل الإيرانية الموجهة إلى خصومها الإقليميين والدوليين، إذ لم تعد طهران تكتفي بالتلويح بأوراق الضغط التقليدية في الخليج العربي، بل باتت تشير بوضوح إلى استعدادها لنقل التهديد إلى واحد من أهم الممرات البحرية العالمية عبر البحر الأحمر.

وفي قراءة تحليلية لهذه التصريحات، اعتبرت مؤسس ورئيس مركز الإمارات للسياسات وأستاذ العلوم السياسية، ابتسام الكتبي، أن حديث قاآني يمثل رسالة تهديد واضحة ومباشرة، مفادها أن إيران قد تعمل على توسيع دائرة الضغط من مضيق هرمز إلى مضيق باب المندب، أي من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، ضمن استراتيجية تهدف إلى رفع كلفة أي مواجهة مع طهران أو حلفائها في المنطقة.

وترى الكتبي أن أهمية التصريح لا تكمن في احتمالية إغلاق باب المندب بشكل مباشر أو فوري، وإنما في التلويح بتحويله إلى منطقة توتر دائمة وممر عالي المخاطر بالنسبة للسفن التجارية وناقلات النفط، بما يشبه الحالة التي عاشها مضيق هرمز خلال العقود الماضية نتيجة التهديدات والهجمات المتكررة التي ارتبطت بالتوترات الإقليمية.

وبحسب رئيس مركز الإمارات للسياسات وأستاذ العلوم السياسية، فإن إيران تحاول من خلال هذه الرسائل إظهار قدرتها على التأثير في أكثر من ممر بحري استراتيجي في آن واحد، وهو ما يعني عملياً نقل الصراع من إطاره العسكري التقليدي إلى المجال الاقتصادي والتجاري العالمي.

فإذا كان مضيق هرمز يمثل الشريان الرئيسي لصادرات النفط الخليجية، فإن باب المندب يشكل البوابة الجنوبية للبحر الأحمر والطريق الإجباري المؤدي إلى قناة السويس، ما يجعله أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية بين آسيا وأوروبا.

وترى الكتبي أن مجرد التلويح بتهديد هذا الممر الحيوي كفيل بإثارة قلق واسع لدى شركات الشحن العالمية وأسواق الطاقة والتأمين البحري، حتى دون تنفيذ أي خطوات فعلية على الأرض. وتشير إلى أن التجارب السابقة أثبتت أن المخاطر الأمنية في الممرات البحرية لا تتطلب إغلاقاً كاملاً للمضيق حتى تحقق أهدافها، بل يكفي خلق بيئة غير مستقرة تدفع شركات النقل البحري إلى رفع تكاليف التأمين أو تغيير مساراتها نحو طرق أطول وأكثر كلفة.

وتؤكد أستاذ العلوم السياسية، ابتسام الكتبي أن التصريحات الإيرانية الأخيرة تعكس توجهاً نحو استخدام الاقتصاد العالمي كأداة ضغط ضمن الصراعات الإقليمية. فأي اضطراب في باب المندب لن يقتصر تأثيره على الدول المطلة على البحر الأحمر، بل سيمتد إلى سلاسل الإمداد العالمية وأسعار السلع والطاقة والشحن البحري.

ولفتت إلى أن اضطرار السفن للالتفاف حول رأس الرجاء الصالح بدلاً من المرور عبر البحر الأحمر وقناة السويس يعني زيادة كبيرة في زمن الرحلات البحرية وتكاليف الوقود والتشغيل، وهو ما ينعكس في نهاية المطاف على الأسواق العالمية والمستهلكين حول العالم. ومن هذا المنطلق، ترى الكتبي أن قاآني لم يكن يتحدث عن معركة عسكرية بقدر ما كان يلوّح باستخدام ورقة اقتصادية ذات تأثير عالمي واسع.

وتوضح الكتبي أن التصريحات تحمل في طياتها أكثر من رسالة سياسية. فالرسالة الأولى موجهة إلى إسرائيل، ومضمونها أن استمرار العمليات العسكرية أو استهداف حلفاء إيران في المنطقة قد يقود إلى فتح ساحات مواجهة جديدة تتجاوز حدود غزة ولبنان.

أما الرسالة الثانية فتستهدف الولايات المتحدة والدول الأوروبية، عبر التلميح إلى أن أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر يمكن أن يتحول إلى جزء من معادلة الرد الإيراني على الضغوط الغربية.

وفي الوقت نفسه، تمثل هذه التهديدات رسالة غير مباشرة إلى الدول العربية المطلة على البحر الأحمر والخليج، وفي مقدمتها مصر ودول مجلس التعاون الخليجي، التي تعتمد اقتصاداتها بصورة كبيرة على استقرار حركة التجارة والطاقة في هذه الممرات البحرية.

وتشير إبتسام الكتبي إلى أن البعد الأخطر في تصريحات قاآني يتمثل في أن إيران لا تحتاج إلى تدخل عسكري مباشر لتنفيذ مثل هذه التهديدات. فطهران لا تمتلك حدوداً أو وجوداً مباشراً على باب المندب، لكنها تمتلك نفوذاً واسعاً عبر الحوثيين في اليمن، الذين سبق لهم تنفيذ هجمات استهدفت سفناً تجارية وعسكرية في البحر الأحمر خلال فترات التوتر الإقليمي.

وترى أن الإشارة إلى باب المندب تعكس استمرار اعتماد إيران على استراتيجية "الحروب بالوكالة"، حيث تستخدم الجماعات الحليفة لها كأدوات ضغط لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية دون الانخراط المباشر في المواجهة. وبهذا المعنى، فإن التهديد لا يتعلق فقط بالممر البحري نفسه، بل بالقدرة على إبقاء التوتر قائماً واستنزاف الخصوم عبر جبهات متعددة ومتباعدة جغرافياً.

وأشارت الكتبي إلى أن تصريحات قاآني تكشف عن محاولة إيرانية واضحة لتحويل الممرات البحرية إلى أوراق مساومة وضغط سياسي، عبر ربط أمن التجارة العالمية بمسار الصراعات الإقليمية. فمن وجهة نظرها، تسعى طهران إلى إيصال رسالة مفادها أن أي مواجهة معها أو مع حلفائها لن تبقى محصورة في نطاق جغرافي محدد، بل قد تمتد إلى الخليج والبحر الأحمر وطرق التجارة الدولية في آن واحد.

وتعتبر أن هذا النهج يندرج ضمن ما يمكن وصفه بـ"الابتزاز متعدد الجبهات"، حيث يجري توظيف الجغرافيا البحرية والنفوذ الإقليمي والوكلاء المحليين لرفع كلفة الضغوط على إيران وتحويل الاقتصاد العالمي نفسه إلى ساحة من ساحات الصراع.

وفي ضوء هذه المعطيات، ترى رئيس مركز الإمارات للسياسات، ابتسام الكتبي أن التهديدات المتعلقة بباب المندب تتجاوز كونها تصريحات سياسية عابرة، لتشكل مؤشراً على توجه إيراني نحو توسيع نطاق التوترات الإقليمية وربطها مباشرة بأمن الملاحة الدولية ومصالح الاقتصاد العالمي.