ملايين الجائعين واحتفالات صاخبة.. الحوثيون يستثمرون "يوم الولاية"
السياسية - منذ 4 ساعات و 53 دقيقة
صنعاء، نيوزيمن، خاص:
في الوقت الذي يواجه فيه ملايين اليمنيين أزمات معيشية خانقة، وانقطاعًا للرواتب، وتراجعًا غير مسبوق في الخدمات الأساسية، تحشد جماعة الحوثي سنويًا إمكاناتها السياسية والإعلامية والمالية للاحتفاء بما تسميه "يوم الولاية" أو "يوم الغدير"، في مناسبة باتت تمثل أحد أهم المرتكزات الفكرية لمشروعها السياسي والعقائدي، وأداة مركزية لإعادة إنتاج سلطتها وترسيخ مفهوم الحق السلالي في الحكم.
ولم يعد الاحتفال بهذه المناسبة يقتصر على كونه فعالية دينية أو مذهبية، بل تحول، وفق مراقبين، إلى مشروع تعبئة شامل يستهدف إعادة تشكيل الوعي المجتمعي وإعادة تعريف العلاقة بين الحاكم والمحكوم على أسس تقوم على الامتياز الوراثي والاصطفاء السلالي، في تعارض واضح مع مبادئ الدولة الجمهورية والمواطنة المتساوية التي قامت عليها ثورة السادس والعشرين من سبتمبر.
من مناسبة مذهبية إلى مشروع سياسي
منذ سيطرتها على صنعاء عام 2014، عملت جماعة الحوثي على توسيع حضور "يوم الولاية" داخل الحياة العامة، عبر فرضه كمناسبة رسمية داخل المؤسسات الحكومية والمدارس والجامعات ووسائل الإعلام والمساجد، وتخصيص ميزانيات ضخمة للاحتفاء به سنويًا.
وخلال السنوات الماضية، تحولت المناسبة إلى موسم تعبئة سياسي وعقائدي واسع النطاق، تُنظم خلاله المهرجانات والخطابات والدورات الثقافية والأنشطة التعبوية، فيما تُرفع الشعارات التي تروج لفكرة "الولاية" باعتبارها أساس الشرعية السياسية ومصدر الحق في الحكم.
ويرى باحثون أن الجماعة لا تحتفي بالحدث بوصفه ذكرى دينية فحسب، بل توظفه لإعادة إنتاج السردية المؤسسة لمشروعها، والقائمة على منح فئة بعينها حقًا استثنائيًا في قيادة المجتمع استنادًا إلى الانتماء السلالي، وهو ما يفسر حجم الحشد والإنفاق والاهتمام الذي توليه الجماعة لهذه المناسبة مقارنة بالقضايا المعيشية الملحة التي يعاني منها السكان.
ويعتبر وزير الأوقاف والإرشاد اليمني الشيخ تركي الوادعي أن الاحتفال بيوم الغدير "بدعة محدثة" لا أصل لها في الشريعة الإسلامية، مؤكدًا أن الصحابة وآل البيت أنفسهم لم يعرفوا هذا النوع من الاحتفالات ولم يتعاملوا معها كشعيرة دينية.
ويشير الوادعي إلى أن الاستناد إلى حديث "من كنت مولاه فعلي مولاه" لتبرير أحقية سياسية أو وراثية بالحكم يمثل تحميلًا للنصوص ما لا تحتمل، مؤكدًا أن الإسلام جعل معيار التفاضل بين الناس التقوى والعمل الصالح، وليس النسب أو الانتماء العائلي.
وتكتسب هذه الانتقادات أهمية خاصة في ظل سعي الجماعة إلى تحويل مفهوم "الولاية" من قضية فكرية أو مذهبية إلى أساس للحكم وإدارة المجتمع، بما يمنح قيادتها نوعًا من القداسة السياسية التي تتجاوز مفهوم الدولة والقانون والمؤسسات.
يوم للولاية موسم للجباية
ويرى الكاتب والمحلل السياسي أنيس الخليدي أن جوهر فكرة "الولاية" لا يكمن فقط في منح السلطة السياسية لفئة محددة، بل في منحها أيضًا شرعية دينية تجعلها فوق المساءلة والنقد.
ويقول إن المشروع الحوثي لا يكتفي بالمطالبة بحق سياسي مستمد من النسب، بل يسعى إلى احتكار المرجعية الدينية ذاتها، بحيث يصبح الولاء للقيادة جزءًا من العقيدة، وتتحول المعارضة السياسية إلى موقف يُنظر إليه باعتباره خروجًا عن الشرعية الدينية.
وبحسب الخليدي، فإن هذا النموذج يمثل نقيضًا كاملاً لفكرة الدولة الحديثة التي تقوم على المساواة بين المواطنين وتداول السلطة وخضوع الجميع للقانون، لأنه يعيد إنتاج أنظمة الامتياز الوراثي التي تجاوزتها المجتمعات الحديثة منذ قرون.
إلى جانب البعد العقائدي، تبرز الانتقادات المتعلقة بالكلفة الاقتصادية الضخمة للاحتفالات التي تنظمها الجماعة سنويًا. ففي الوقت الذي لا يزال فيه مئات الآلاف من الموظفين في مناطق سيطرة الحوثيين محرومين من رواتبهم منذ سنوات، تنفق الجماعة مبالغ كبيرة على المهرجانات والفعاليات الجماهيرية واللافتات والألعاب النارية والحملات الإعلامية المصاحبة للمناسبة.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي سمير اليوسفي أن الجماعة نجحت في تحويل "الولاية" إلى ما يشبه منظومة مالية متكاملة تقوم على الجباية المنظمة باسم الدين، حيث يتم فرض مساهمات مالية على التجار ورجال الأعمال والمواطنين لتمويل الاحتفالات والأنشطة المرتبطة بها.
ويؤكد منتقدون أن الأموال التي تُنفق على هذه الفعاليات كان يمكن أن تسهم في تخفيف معاناة السكان أو دعم الخدمات الأساسية أو دفع جزء من رواتب الموظفين، خصوصًا في ظل الانهيار الاقتصادي الذي تعيشه البلاد.
استهداف الهوية الوطنية
ويرى الكاتب والمحلل السياسي مطيع المخلافي أن أخطر ما في "يوم الولاية" لا يكمن في طابعه المذهبي فحسب، بل في كونه أداة لإعادة تشكيل الهوية السياسية والاجتماعية لليمنيين. ويشير إلى أن الجماعة تسعى من خلال هذه المناسبة إلى إحلال الولاء العقائدي للجماعة محل الانتماء الوطني، وإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة وفق أسس طائفية وسلالية بدلاً من مفهوم المواطنة المتساوية.
كما يستخدم الحوثيون المناسبة، بحسب المخلافي، لتكثيف عمليات التعبئة الفكرية والتجنيد واستقطاب الشباب، مستفيدين من الحضور المكثف للمدارس والجامعات والمؤسسات الرسمية في الفعاليات المرتبطة بها. ويحذر من أن استمرار هذا النهج يهدد بتعميق الانقسامات الاجتماعية وإضعاف الهوية الوطنية الجامعة التي شكلت تاريخيًا أحد أهم عناصر تماسك المجتمع اليمني.
رغم الأزمات الاقتصادية والإنسانية المتفاقمة، لا تبدو جماعة الحوثي مستعدة للتخلي عن هذه المناسبة أو تقليص حضورها. ويرى مراقبون أن السبب يعود إلى أن "الولاية" ليست مجرد فعالية احتفالية، بل تمثل جوهر المشروع الفكري والسياسي للجماعة. فالتراجع عنها يعني عمليًا التشكيك في الأساس العقائدي الذي تستند إليه الجماعة في تبرير سلطتها وحقها في الحكم.
ولهذا السبب تحرص الجماعة على تحويل المناسبة إلى حدث جماهيري سنوي ضخم، تستخدمه لإعادة شحن أتباعها فكريًا وسياسيًا، وإظهار قدرتها على الحشد والتعبئة، وتأكيد حضورها كسلطة أمر واقع تمتلك مشروعًا يتجاوز حدود العمل السياسي التقليدي.
من جانبه، يرى الناشط عبدالسلام القيسي أن جوهر الأزمة اليمنية لا يكمن في الأشخاص أو القيادات، وإنما في الفكرة المؤسسة للمشروع الحوثي. ويقول إن "الولاية" تحولت إلى أداة لتبرير احتكار السلطة وإضفاء القداسة على الحكم، معتبرًا أن استمرار هذه الفكرة هو ما يسمح بإعادة إنتاج الصراع حتى لو تغيرت القيادات والأسماء.
وبحسب القيسي، فإن مواجهة المشروع الحوثي لا تتعلق فقط بالجانب العسكري أو السياسي، بل تتطلب أيضًا تفكيك البنية الفكرية التي يستند إليها، والتي تقوم على التمييز السلالي والوصاية على المجتمع واحتكار الشرعية الدينية والسياسية.
بين الاحتفال ومعاناة اليمنيين
وفي الوقت الذي تضاء فيه الألعاب النارية وتُرفع الشعارات وتُنفق الأموال على فعاليات "يوم الولاية"، يعيش ملايين اليمنيين أوضاعًا إنسانية توصف بأنها من بين الأسوأ عالميًا. ففي مناطق سيطرة الحوثيين تتواصل أزمة الرواتب، وتتراجع الخدمات الصحية والتعليمية، وتتزايد معدلات الفقر والبطالة، بينما تتجه موارد كبيرة نحو تمويل المناسبات العقائدية والأنشطة التعبوية.
ويرى مراقبون أن المفارقة تكمن في أن الجماعة التي تقدم نفسها بوصفها مدافعة عن المستضعفين، تواصل توجيه مواردها نحو تعزيز مشروعها الأيديولوجي، في وقت تتراجع فيه أولويات المواطنين المتعلقة بالمعيشة والخدمات والاقتصاد إلى مراتب متأخرة.
وفي ظل هذا المشهد، يبقى "يوم الولاية" بالنسبة لمنتقدي الجماعة أكثر من مجرد مناسبة دينية؛ إذ يمثل عنوانًا لصراع أعمق يدور حول شكل الدولة ومستقبل اليمن وهوية المجتمع، بين مشروع جمهوري قائم على المواطنة المتساوية، ومشروع سلالي يسعى إلى إضفاء الشرعية الدينية على احتكار السلطة وإعادة إنتاج الامتيازات الوراثية تحت مسميات عقائدية وسياسية مختلفة.
>
