عاشوراء الحوثي.. منصة إيرانية لتغيير هوية اليمن

السياسية - منذ ساعة و 56 دقيقة
صنعاء، نيوزيمن، خاص:

على مدى سنوات طويلة سعت جماعة الحوثي إلى تقديم نفسها كحركة يمنية ذات امتداد محلي، ونفت مراراً ارتباطها الفكري والعقدي بالنموذج الإيراني أو تبنيها للمذهب الاثني عشري بصورته المعروفة في إيران والعراق ولبنان. غير أن التطورات التي شهدتها المناطق الخاضعة لسيطرتها منذ انقلابها على الدولة في سبتمبر 2014 كشفت تدريجياً حجم التحول الذي طرأ على خطاب الجماعة وممارساتها الدينية والثقافية، حتى باتت كثير من شعاراتها وطقوسها تعكس بصورة واضحة التأثر بالمشروع الإيراني في المنطقة.

وتعد مناسبة عاشوراء واحدة من أبرز المحطات التي تكشف هذا التحول. فالمظاهر التي كانت تقتصر سابقاً على نطاقات ضيقة داخل بعض المساجد والمجالس المغلقة، أصبحت اليوم تُنظم بصورة علنية وواسعة في شوارع صنعاء ومدن أخرى، عبر فعاليات جماهيرية وخطب تعبوية وحملات إعلامية وشعارات وملصقات وطقوس لم تكن مألوفة في المجتمع اليمني قبل سيطرة الجماعة على مؤسسات الدولة.

عاشوراء بين السنة النبوية والطقوس المستوردة

يؤكد علماء ومختصون في الشأن الديني أن يوم عاشوراء يحتل مكانة خاصة في الإسلام باعتباره يوماً للصيام والذكر وشكر الله تعالى على نجاة نبيه موسى عليه السلام وقومه من فرعون، مستندين إلى الأحاديث النبوية التي حثت على صيام هذا اليوم وبيّنت فضله.

وفي المقابل، ترتبط المناسبة لدى الشيعة بإحياء ذكرى مقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما في واقعة كربلاء، وهو ما أفرز عبر القرون مجموعة من الطقوس والممارسات التي انتشرت في بعض البيئات الشيعية خارج اليمن، قبل أن تبدأ جماعة الحوثي بإدخالها إلى المشهد اليمني خلال السنوات الأخيرة.

ويرى منتقدو الجماعة أن مظاهر اللطم والنواح والحسينيات واستحضار مشاهد الحزن الجماعي، تمثل ثقافة دخيلة على المجتمع اليمني الذي عرف تاريخياً بالاعتدال والتعايش المذهبي، وأنها تعكس انتقالاً واضحاً من المرجعية الزيدية التقليدية إلى النموذج الإيراني الأكثر تشدداً في التعامل مع المناسبات الدينية.

مشروع يتجاوز البعد الديني

لا ينظر كثير من المراقبين إلى فعاليات عاشوراء الحوثية باعتبارها مجرد مناسبة دينية أو ثقافية فحسب، بل يرون فيها جزءاً من مشروع أوسع يمتزج فيه البعد العقائدي بالسياسي، والديني بالمذهبي، في محاولة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي للمجتمع اليمني.

فالجماعة تعمل على استحضار أحداث تاريخية تعود إلى أكثر من أربعة عشر قرناً وتوظيفها في سياقات سياسية معاصرة، بما يخدم خطابها القائم على مفاهيم الولاية والاصطفاء والحق الإلهي في الحكم، وهي مفاهيم تتعارض مع مبادئ الدولة الحديثة القائمة على المواطنة المتساوية والشرعية الدستورية والتداول السلمي للسلطة.

ويحذر مختصون من أن خطورة هذه المناسبات تكمن في كونها لا تكتفي بإحياء حدث تاريخي أو مناسبة دينية، بل تسعى إلى تحويلها إلى أدوات لإضفاء الشرعية على مشروع سياسي وعسكري يربط السلطة بالانتماء السلالي ويمنح جماعة بعينها حقاً حصرياً في الحكم.

مواسم للحشد والتعبئة

تسعى جماعة الحوثي لاستغلال عاشوراء كمنصة للتعبئة الفكرية والعسكرية، من خلال تنظيم ندوات ودورات عقائدية وفعاليات جماهيرية تستهدف مختلف الفئات العمرية، خصوصاً الشباب وصغار السن.

وتشير تقارير محلية إلى أن مئات الفعاليات أُقيمت خلال فترة قصيرة في عدد من المحافظات الخاضعة لسيطرة الحوثيين، شملت أنشطة تعبئة فكرية وتخريج دفعات مقاتلين ودورات ذات طابع عسكري، في مشهد يعكس تداخل البعدين الديني والعسكري في استراتيجية الجماعة.

ويرى مراقبون أن هذه الأنشطة تسعى إلى إنتاج أجيال أكثر ارتباطاً بالمشروع الأيديولوجي للجماعة، وربط الهوية الدينية بالولاء السياسي والعسكري، بما يضمن استمرار حالة التعبئة والتجنيد التي تعتمد عليها الجماعة في إدارة الصراع.

فرض جبايات تحت غطاء ديني

وفي بلد يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم، تحولت المناسبات الدينية في مناطق سيطرة الحوثيين إلى مواسم للجباية وجمع الأموال، وفقاً لشهادات تجار وسكان محليين.

ويتحدث أصحاب محال تجارية عن فرض إتاوات ومساهمات مالية إجبارية تحت مسميات دعم الفعاليات والمناسبات، فيما يتعرض الرافضون لضغوط متعددة قد تصل إلى الإغلاق أو الملاحقة.

ويصف مراقبون هذه الظاهرة بـ"اقتصاد المناسبات"، حيث أصبحت الفعاليات الطائفية مصدراً مهماً للتمويل، سواء من خلال الجبايات المباشرة أو إلزام التجار والمواطنين بالمشاركة في تكاليف الزينة والتجهيزات والحشود الجماهيرية.

ويرى اقتصاديون أن هذه السياسة تزيد من الأعباء المعيشية على المواطنين في ظل استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية وانقطاع الرواتب وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.

صناعة شرعية بديلة

يرى باحثون أن الماكينة الإعلامية الحوثية لا تتعامل مع هذه المناسبات باعتبارها أنشطة موسمية فقط، بل توظفها لصناعة شرعية سياسية بديلة عن الشرعية الدستورية القائمة على الانتخابات والمؤسسات.

ومن خلال الخطابات والفعاليات والشعارات المصاحبة، تسعى الجماعة إلى ترسيخ مفاهيم الولاية والاصطفاء السلالي، وتقديم نفسها باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للدين والهوية، في مقابل تصوير معارضيها باعتبارهم خصوماً للمشروع الديني نفسه.

ويؤكد مراقبون أن هذه الرسائل تستهدف الداخل والخارج في آن واحد، فهي من جهة تسعى إلى إظهار الجماعة كقوة تمتلك قاعدة جماهيرية واسعة، ومن جهة أخرى تستخدم الحشود والفعاليات كورقة سياسية في مواجهة خصومها المحليين والإقليميين والدوليين.

معركة الهوية

يؤكد مختصون في الشأن الثقافي أن أخطر ما في هذه الممارسات لا يتعلق بالمناسبة نفسها، وإنما بمحاولة إعادة صياغة الهوية اليمنية وربطها بمشروع أيديولوجي عابر للحدود.

فاليمن الذي عرف عبر تاريخه الطويل بالتعددية المذهبية والتعايش الاجتماعي، يجد نفسه اليوم أمام محاولات لإحلال رموز وشعارات ومناسبات مستوردة محل مكونات الهوية الوطنية الجامعة، وإعادة ربط الذاكرة الجمعية للأجيال الجديدة بشخصيات وأحداث وروايات تخدم مشروعاً سياسياً محدداً.

ويرى هؤلاء أن المعركة الحقيقية لم تعد تدور فقط حول السيطرة على الأرض أو السلطة، بل حول تشكيل الوعي وإعادة تعريف الانتماء الوطني والثقافي والديني للأجيال القادمة.

خاتمة

ومع حلول عاشوراء من كل عام، يتجدد الجدل في اليمن حول حدود الدين والسياسة، وحول ما إذا كانت هذه الفعاليات تمثل مجرد ممارسة دينية أم جزءاً من مشروع أوسع لإعادة تشكيل المجتمع والدولة. وبينما يواصل الحوثيون توسيع حضور هذه المناسبات في مناطق سيطرتهم، تتصاعد المخاوف من انعكاساتها على النسيج الاجتماعي والهوية الوطنية ومستقبل الدولة اليمنية، في بلد أنهكته الحرب والأزمات ويبحث عن الاستقرار أكثر من أي وقت مضى.