بعد 13 عاماً من السقوط.. الإخوان بين الانقسام والتراجع ومحاولات البقاء
السياسية - Wednesday 01 July 2026 الساعة 09:59 pm
القاهرة، نيوزيمن،:
بعد مرور 13 عاماً على إطاحة جماعة الإخوان المسلمين من الحكم في مصر، تبدو الجماعة اليوم أمام واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً منذ تأسيسها، في ظل تصاعد الأزمات الداخلية وتراجع نفوذها الإقليمي وانحسار قدرتها على التأثير السياسي، وسط مؤشرات متزايدة على تفكك بنيتها التنظيمية وتآكل مشروعها الذي سعت إلى ترسيخه لعقود.
وتشير قراءات وتحليلات متخصصة بينها تحليل نشره موقع "سكاي نيوز عربية" إلى أن الجماعة لم تعد تواجه فقط تداعيات خسارة السلطة في مصر عام 2013، بل باتت تصارع من أجل الحفاظ على وجودها التنظيمي ذاته، بعد أن تعرضت لسلسلة من الضربات السياسية والأمنية والتنظيمية التي أعادت تشكيل واقعها وأضعفت قدرتها على الحشد والتأثير.
تراجع متواصل وفقدان للنفوذ
ومنذ الإطاحة بحكم الجماعة، شهد تنظيم الإخوان تحولات عميقة بدأت بحظر نشاطه في مصر وتصنيفه تنظيماً إرهابياً، تلاها انتقال عدد كبير من قياداته إلى الخارج، قبل أن تتفاقم الخلافات الداخلية بين أجنحته المختلفة، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على هيكله القيادي وأدائه التنظيمي.
ويرى مراقبون أن الجماعة فشلت خلال السنوات الماضية في تقديم رؤية سياسية جديدة تتناسب مع المتغيرات التي شهدتها المنطقة، واكتفت بإدارة أزماتها الداخلية ومحاولة الحفاظ على شبكاتها التنظيمية، في وقت تراجع فيه حضور تيارات الإسلام السياسي في عدد من الدول العربية التي كانت تمثل سابقاً ساحات نفوذ وتأثير للجماعة.
كما ساهمت التحولات الإقليمية وتبدل أولويات عدد من الدول التي استضافت قيادات الإخوان في تقليص مساحة الحركة المتاحة أمام التنظيم، سواء على المستوى السياسي أو الإعلامي، وهو ما زاد من عزلته وأفقده جزءاً كبيراً من أدوات التأثير التي اعتمد عليها خلال السنوات الماضية.
وفي أحدث التطورات التي تعكس حجم التحديات التي تواجهها الجماعة، شهدت تونس خلال عام 2026 تصعيداً قضائياً وسياسياً ضد حركة النهضة، الذراع الأبرز للإخوان في البلاد، مع صدور أحكام بالسجن بحق عدد من قياداتها، بينهم راشد الغنوشي، في قضايا تتعلق بالأمن والتمويل، إلى جانب استمرار ملاحقات قضائية أخرى بحق شخصيات قيادية داخل الحركة.
ويرى متابعون أن ما يحدث في تونس يمثل امتداداً لمسار التراجع الذي يلاحق الجماعة وحلفاءها في المنطقة، ويعكس تراجع الرهان على المشاريع السياسية المرتبطة بتنظيم الإخوان بعد سنوات من الاضطرابات والصراعات التي شهدتها عدة دول عربية.
التخفي بواجهات جديدة
وبحسب باحثين في شؤون التنظيمات المتطرفة، فإن الجماعة اتجهت خلال السنوات الأخيرة إلى تبني أساليب جديدة للحفاظ على وجودها، عبر الظهور من خلال كيانات ومنصات تحمل أسماء مختلفة، إضافة إلى توسيع نشاطها الإعلامي والرقمي بهدف استمرار حضورها الفكري والتأثير على الرأي العام.
وتعتمد هذه الاستراتيجية على العمل غير المباشر من خلال منصات إعلامية ومراكز بحثية وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، في محاولة لإعادة إنتاج الخطاب الإخواني بصيغ جديدة تتجاوز الضغوط والملاحقات التي تواجهها الجماعة في عدد من الدول.
غير أن مراقبين يؤكدون أن هذه الأدوات، رغم قدرتها على إبقاء الجماعة حاضرة في الفضاء الإعلامي، لم تنجح في تعويض خسائرها السياسية أو استعادة نفوذها السابق، خاصة في ظل غياب مشروع واضح قادر على استقطاب قواعد جديدة أو تحقيق اختراقات مؤثرة على الأرض.
وتبرز الانقسامات الداخلية باعتبارها أحد أبرز التحديات التي تهدد مستقبل التنظيم، إذ تشهد الجماعة منذ سنوات صراعاً بين عدة جبهات متنافسة، لكل منها رؤيتها الخاصة لإدارة الأزمة والتعامل مع المرحلة الراهنة.
وتشير التقديرات إلى أن جبهة لندن تركز على الحفاظ على ما يوصف بـ"النواة الصلبة" للتنظيم وإعادة تجميع أعضائه تحت قيادة موحدة، فيما تواجه جبهة إسطنبول انتقادات متزايدة بسبب ما يعتبره منتقدوها حالة من الجمود وغياب الرؤية السياسية والتنظيمية.
ويؤكد محللون أن هذه الخلافات لم تعد مجرد تباينات إدارية، بل تحولت إلى أزمة بنيوية عميقة أثرت على عملية اتخاذ القرار داخل الجماعة وأضعفت قدرتها على العمل كتنظيم موحد، الأمر الذي انعكس سلباً على حضورها في الداخل والخارج.
استراتيجية البقاء لا العودة
ويرى مختصون في قضايا الإرهاب والأمن الإقليمي أن الجماعة تتبع حالياً استراتيجية تقوم على تقليل الأنشطة المباشرة والتركيز على الحفاظ على شبكاتها التنظيمية، فيما يعرف بسياسة "منع التعطيل"، وهي مقاربة تهدف إلى تجنب مزيد من الخسائر وانتظار ظروف سياسية أكثر ملاءمة.
وبموجب هذه الاستراتيجية، تسعى الجماعة إلى إبقاء هياكلها التنظيمية قائمة بأقل قدر ممكن من النشاط العلني، مع التركيز على الدعاية الإعلامية وإعادة صياغة صورتها أمام الرأي العام، في محاولة لاستعادة جزء من رصيدها الشعبي الذي تآكل خلال السنوات الماضية.
إلا أن منتقدين يرون أن هذه المقاربة تعكس حالة دفاعية أكثر منها مشروعاً سياسياً متكاملاً، وتؤكد أن أولويات الجماعة باتت تتركز على ضمان البقاء التنظيمي ومنع الانهيار الداخلي، بدلاً من السعي إلى تحقيق مكاسب سياسية أو استعادة النفوذ الذي فقدته منذ عام 2013.
ومع استمرار الانقسامات الداخلية وتراجع الدعم الخارجي وتبدل المشهد الإقليمي، تبدو جماعة الإخوان أمام مرحلة مفصلية قد تحدد مستقبلها لسنوات قادمة، في وقت يرى فيه كثير من المراقبين أن التنظيم يواجه اليوم أزمة وجود حقيقية تتجاوز مجرد الخلافات السياسية، وتمس قدرته على الاستمرار كقوة منظمة وفاعلة في المنطقة.
>
