12 عاماً بين خطابين.. ماذا جنى اليمنيون من وعود الحوثي؟
السياسية - Monday 20 July 2026 الساعة 07:10 pm
عدن، نيوزيمن، خاص:
قبل اثني عشر عاماً، ظهر زعيم جماعة الحوثي الإرهابية، عبدالملك بدر الدين الحوثي، في خطاب تحدث فيه عن معاناة اليمنيين من تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع الأسعار وضعف الرواتب، مقدماً نفسه وجماعته باعتبارهم صوتاً مدافعاً عن المواطنين في مواجهة ما وصفه آنذاك بالفساد وسوء الإدارة.
واليوم، وبعد أكثر من عقد من الزمن، يعود الرجل ذاته بخطاب يحمل كثيراً من المفردات والشعارات نفسها، لكن في بلد تغير بصورة مأساوية، وفي واقع يراه ملايين اليمنيين أكثر قسوة وتعقيداً مما كان عليه في عام 2014.
فبين الخطاب الأول والخطاب الأخير، مرت اليمن بواحدة من أكثر الفترات اضطراباً في تاريخها الحديث. سنوات طويلة شهدت انهيار مؤسسات الدولة، وتعطل الاقتصاد، وتراجع الخدمات الأساسية، وتوسع دائرة الفقر والجوع، ونزوح الملايين، وسقوط عشرات الآلاف من الضحايا في حرب لا تزال تداعياتها تلقي بظلالها على حياة اليمنيين حتى اليوم.
ومنذ سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، وما أعقبها من تمدد عسكري نحو عدد من المحافظات، دخلت البلاد مرحلة جديدة من الصراع السياسي والعسكري، انتهت إلى واقع اقتصادي وإنساني بالغ الصعوبة.
وخلال تلك السنوات، تحولت شعارات التغيير والوعود بتحسين أوضاع المواطنين إلى أسئلة معلقة في أذهان اليمنيين، الذين ما زالوا يبحثون عن إجابات مقنعة حول ما آلت إليه أوضاعهم المعيشية.
خطاب يتكرر.. وواقع مختلف
المتابع للخطابين (الأول في 2014 والأخير قبل أيام) يلحظ تشابهاً واضحاً في اللغة المستخدمة والمفردات المطروحة: الحديث عن الفقر، وعن الجوع، وعن معاناة الأسر اليمنية، وعن الثروات المنهوبة، وعن الفساد الذي يلتهم مقدرات البلاد.
لكن الفارق الجوهري يتمثل في أن الخطاب الأول سبق وصول الجماعة إلى السلطة الفعلية في صنعاء، بينما يأتي الخطاب الأخير بعد سنوات طويلة أصبحت خلالها الجماعة صاحبة القرار والنفوذ في المناطق الخاضعة لسيطرتها.
وهنا يبرز السؤال الذي يطرحه كثير من اليمنيين: إذا كانت هذه المشكلات نفسها لا تزال قائمة، بل تفاقمت بصورة أكبر، فمن يتحمل مسؤولية ما حدث خلال هذه السنوات؟
فالموظفون الذين قيل لهم إن أوضاعهم ستتحسن وجد كثير منهم أنفسهم يواجهون ظروفاً معيشية صعبة، والأسر التي انتظرت انفراجاً اقتصادياً أصبحت تعيش في بيئة أكثر قسوة وتعقيداً. أما المدن الواقعة تحت سيطرة الجماعة، فما تزال تعاني أزمات اقتصادية وخدمية متراكمة، إلى جانب القيود المفروضة على النشاط الاقتصادي والاستثماري.
ذاكرة اليمنيين لا تزال حاضرة
وعلى الرغم من مرور أكثر من عقد على تلك الأحداث، فإن ذاكرة اليمنيين لا تزال تحتفظ بتفاصيل السنوات التي أعقبت إسقاط الدولة ومؤسساتها. فالحرب التي اندلعت لاحقاً لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى أزمة شاملة مست مختلف جوانب الحياة.
وتشير الوقائع إلى أن اليمن خسر خلال تلك الفترة جزءاً كبيراً من فرصه التنموية، وتراجعت قدرته الاقتصادية، وتضررت بناه التحتية، فيما أصبح ملايين المواطنين يعتمدون على المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاتهم الأساسية.
وفي الوقت الذي يتحدث فيه خطاب الحوثي مجدداً عن معاناة الناس، يرى منتقدون أن الجماعة تتجاهل دورها المباشر في صناعة جزء كبير من هذه المعاناة، سواءً من خلال استمرار الحرب أو من خلال السياسات التي اتُّبِعت في المناطق الخاضعة لسيطرتها.
النفط والاقتصاد في قلب الخطاب
اللافت في خطاب زعيم جماعة الحوثي الأخير أيضا تركيزه على ملف الثروات النفطية والموارد الاقتصادية، في وقت يرى فيه مراقبون أن استهداف موانئ تصدير النفط خلال السنوات الماضية، ساهم في حرمان الدولة من أحد أهم مصادر الدخل التي تعتمد عليها في تمويل الخدمات العامة والوفاء بالتزاماتها المالية.
وبينما يواصل الحوثيون الحديث عن الثروات المنهوبة، يطرح خصومهم تساؤلات بشأن إدارة الموارد والإيرادات داخل المناطق الخاضعة لسيطرتهم، وحجم الأموال التي جرى تحصيلها عبر الجبايات والضرائب والرسوم المختلفة خلال سنوات الحرب، ومدى انعكاس ذلك على حياة المواطنين الذين لا يزالون يواجهون ظروفاً معيشية بالغة الصعوبة.
دعوة جديدة إلى المعركة
ويرى مراقبون أن خطاب زعيم الجماعة الأخير لا يقتصر على استعادة مفردات الماضي، بل يحمل أيضاً رسائل تعبئة سياسية وعسكرية، في محاولة لإعادة حشد الأنصار حول شعارات الصراع والمواجهة.
غير أن المشهد اليمني اليوم يختلف كثيراً عما كان عليه قبل اثني عشر عاماً. فالمجتمع الذي دفع أثماناً باهظة من الدماء والخراب والنزوح والفقر، أصبح أكثر قدرة على تقييم التجارب والتمييز بين الوعود والنتائج.
ولهذا تبدو الدعوات إلى جولات جديدة من الصراع أقل إقناعاً بالنسبة لكثير من اليمنيين الذين أنهكتهم الحرب، وأصبح همهم الأول استعادة الاستقرار وتحسين مستوى المعيشة وتوفير فرص العمل والتعليم والخدمات الأساسية.
12 عاماً من الأسئلة
بعد اثني عشر عاماً على الخطاب الأول، لا يزال السؤال الأكبر حاضراً: ماذا جنى اليمنيون من كل تلك الشعارات التي رُفعت باسم إنقاذهم؟
فالبلد الذي قيل إنه ذاهب نحو الإصلاح وجد نفسه في قلب واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم، والشعب الذي وُعِد بالعدالة والرخاء ما زال يواجه تحديات يومية تتعلق بالغذاء والدواء والكهرباء وفرص العمل.
وفي ظل هذه الوقائع، يبدو أن اليمنيين لم يعودوا يبحثون عن خطابات جديدة أو شعارات مكررة بقدر ما يبحثون عن إجابات حقيقية لمسؤولية ما جرى خلال السنوات الماضية، وعن طريق يخرج البلاد من دوامة الحرب والانقسام، ويعيد للدولة مؤسساتها، وللمواطن حقه في الحياة الكريمة.
فبين خطاب 2014 وخطاب 2026، لم تتغير الشعارات كثيراً، لكن اليمن تغيّر بالكامل، وما يزال ملايين اليمنيين ينتظرون اليوم الذي تتحول فيه الوعود إلى واقع، وتنتهي فيه حقبة طويلة من المعاناة التي دفعت البلاد إلى حافة الانهيار.
>
