د. عبيد الله البرهاني

د. عبيد الله البرهاني

تابعنى على

بين الردع وإدارة العتبة الاستراتيجية: الضربة الأميركية على إيران

منذ 4 ساعات و 43 دقيقة

تواجه إيران في المرحلة الراهنة بيئة استراتيجية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها الضغوط الأمريكية المتصاعدة مع حسابات إقليمية دقيقة، ضمن سياق دولي لم يعد يحتمل الحروب المفتوحة بقدر ما يسعى إلى إدارتها عند حوافها القصوى. وفي هذا الإطار، لا يمكن فهم التحركات العسكرية الأمريكية في محيط إيران بوصفها تمهيدًا لمواجهة شاملة، بل باعتبارها جزءًا من صراع أدق يتمحور حول إدارة العتبة الاستراتيجية الفاصلة بين الردع والانفجار.

فجوهر الأزمة لا يكمن في سؤال: هل ستقع الحرب؟ بقدر ما يتمحور حول: من يملك القدرة على التحكم بحدودها، وضبط إيقاعها، ومنع تجاوزها للعتبة التي تتحول عندها الضغوط إلى فوضى شاملة. ومن هذا المنظور، تمثل الضربة الأمريكية المحتملة أداة لإعادة ضبط التوازن، لا لكسره، ورسالة ردع محسوبة، لا إعلان مواجهة صفرية.

تنطلق هذه المقاربة من إدراك أمريكي متزايد بأن القوة لم تعد تُستخدم كخيار ثنائي بين الحرب والسلام، بل كأداة سياسية دقيقة تُوظف لإعادة تعريف الكلفة الاستراتيجية لسلوك الخصم. وهو ما يندرج ضمن ما بات يُعرف بـ«دبلوماسية القوة»، التي سعت إدارة دونالد ترامب إلى ترسيخها، عبر الجمع بين الضغط الاقتصادي، والعزلة السياسية، والتهديد العسكري الموثوق، مع الإبقاء على مسارات التفاوض مفتوحة، وضبط مستوى التصعيد دون تجاوزه.

الضغط المتدرّج كآلية لإدارة العتبة

تعتمد الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران على الضغط المتدرّج لا بوصفه تمهيدًا لإسقاط النظام، بل كآلية لإدارة العتبة الاستراتيجية ومنع طهران من تحويل الزمن إلى رصيد تفاوضي أو أداة استنزاف. وتقوم هذه السياسة على إحداث اختلالات محسوبة في معادلات الردع، تُبقي إيران في حالة توتر دائم دون دفعها إلى خيار المواجهة الشاملة.

في المقابل، انتهجت طهران سياسة تقوم على المراوغة وشراء الوقت، انطلاقًا من قناعة بأن الصبر الاستراتيجي قادر على امتصاص الضغوط، سواء عبر تبدل الإدارات الأمريكية، أو عبر توظيف النفوذ الإقليمي كأداة ردع غير مباشر. غير أن هذا النهج، رغم ما وفره سابقًا من هامش مناورة، بات أكثر هشاشة في ظل تضييق مسارات الالتفاف الاقتصادي، وتراجع الهوامش الدبلوماسية، وارتفاع كلفة الاستمرار دون تسوية.

إن إصرار إيران على مقاربة تفاوضية تقوم على الندية الكاملة، ورفض أي تسوية يمكن تأويلها داخليًا باعتبارها تنازلًا، أسهم في تقليص فرص الحلول المرحلية، ورفع من احتمالات لجوء الولايات المتحدة إلى أدوات ضغط أكثر صلابة، مع الحرص في الوقت ذاته على عدم تجاوز العتبة التي قد تفضي إلى انفجار إقليمي واسع.

الخيارات الأمريكية: ضرب العتبة دون كسرها

في حال اتخاذ قرار باستخدام القوة، يُرجح أن تندرج أي ضربة أمريكية محتملة ضمن إطار محدود ودقيق، يستهدف مفاصل نوعية في القدرات الإيرانية، بما يحقق هدفًا مزدوجًا: توجيه رسالة ردع واضحة، وإعادة ضبط السلوك الإيراني دون تفكيك شامل لمنظومة الردع القائمة.

وقد يشمل هذا المسار استهداف منشآت حساسة، أو عقد قيادية في منظومة القيادة والسيطرة، أو تعزيز الردع الإقليمي عبر الحلفاء، بما يقلل الحاجة إلى تدخل مباشر، ويُبقي الصراع تحت سقف يمكن التحكم به. وفي هذا السياق، لا يُعد الاعتماد على الشركاء الإقليميين تفويضًا عسكريًا بقدر ما هو جزء من هندسة الردع المركّب، الذي يوزع الكلفة ويمنع تركّز المخاطر.

سيناريوهات ما بعد الضربة في إطار إدارة العتبة

في أعقاب أي ضربة محدودة، تتعدد السيناريوهات، لكنها جميعًا تدور ضمن منطق إدارة العتبة لا كسرها:

– احتواء متبادل، حيث تكتفي إيران بردود محسوبة تحفظ توازن الردع، وتجنب التصعيد الواسع، بما يسمح بعودة تدريجية إلى المسار الدبلوماسي.

– تصعيد غير مباشر مضبوط، عبر أدوات إقليمية، يهدف إلى إيصال رسائل سياسية دون تجاوز الخطوط الحمراء.

– إعادة تموضع استراتيجي، تعيد فيه طهران ترتيب أولوياتها الداخلية والإقليمية، تحت وطأة الضغوط، مع تقليص نسبي لانخراطها الخارجي.

– مخاطر سوء التقدير، وهو السيناريو الأخطر، حيث يؤدي خلل في الحسابات إلى تجاوز غير مقصود للعتبة، وفتح مسار تصعيد لا يخدم مصالح أي طرف.

الخليج العربي: بين التعرّض وإعادة الضبط

سيكون الخليج العربي في قلب تداعيات أي تطور عسكري، بحكم موقعه الجيوسياسي وتشابك أمنه مع أمن الطاقة والملاحة الدولية. وعلى المدى القصير، قد تشهد المنطقة ارتفاعًا في مستويات الجاهزية الدفاعية، وتعزيزًا للتنسيق الأمني، خصوصًا في مجالات الدفاع الجوي وأمن الممرات البحرية.

غير أن إدارة الضربة ضمن سقف العتبة قد تسهم، على المدى المتوسط، في إعادة ترسيم قواعد الاشتباك، وتقليص هامش المخاطر، وتعزيز الاستقرار النسبي، بما يمنح دول الخليج مساحة أوسع للتركيز على أولوياتها التنموية، بعيدًا عن دوامة الأزمات المتكررة.

الانعكاسات الإقليمية والدولية

تعكس هذه المقاربة تحولًا أوسع في السلوك الأمريكي، من منطق الحسم العسكري إلى منطق إدارة التوازنات عبر الردع الذكي والتحالفات المرنة. أما دوليًا، فهي مؤشر على تطور في استخدام القوة بوصفها أداة سياسية انتقائية، في نظام دولي يتسم بتعدد الأقطاب وتراجع القبول بالحروب المفتوحة.

 الصراع على العتبة لا على الانتصار

لا تستهدف الاستراتيجية الأمريكية المعلنة إسقاط النظام الإيراني، بل إعادة توجيه سلوكه ضمن قواعد يمكن ضبطها. غير أن تراكم الضغوط الاقتصادية، والعزلة السياسية، والضربات المحدودة، قد يؤدي تدريجيًا إلى إضعاف قدرة النظام على إدارة أزماته الداخلية، ورفع كلفة الاستمرار في سياسات المراوحة.

وعليه، فإن جوهر المواجهة الراهنة لا يتمثل في صراع على الانتصار، بل في صراع على من يملك القدرة على إدارة العتبة الاستراتيجية الفاصلة بين الردع والانفجار. وفي هذه المسافة الضيقة، يتحدد مستقبل إيران، واستقرار الخليج، وشكل التوازنات

نقلا من وايت هاوس ان أرابيك