عادل الهرش

عادل الهرش

تابعنى على

اليمن أكبر من كل الترهات… والحوثي عدو الجميع

منذ 3 ساعات و دقيقتان

لم يعد اليمن يحتمل مزيدًا من العبث ولا ترف الخلافات العقيمة. سنوات طويلة مضت من أعمارنا ونحن ندور في حلقة مفرغة من الجدل، وتبادل الاتهامات، والسبّ والشتم، واستفزاز بعضنا بعضًا، وكأننا في معركة شخصية لا وطنية. وفي الوقت الذي كنا ننشغل فيه بتصفية الحسابات، كانت اليمن تتهاوى، تتدمر، وتتحول شيئًا فشيئًا إلى بقايا أطلال.

منذ العام 2011 وحتى اليوم، فشلنا كيمنيين في تجاوز تلك اللحظة الفاصلة التي مزّقت المجتمع إلى معسكرين متقابلين: نظام سابق ومعارضة، مؤتمر واصلاح ثورة وثورة مضادة. انقسام لم يكن سياسيًا فقط، بل تسلل إلى النسيج الاجتماعي، وضرب مؤسسات الدولة، وفتح أبواب الفوضى على مصراعيها. بدل أن تكون تلك المرحلة مدخلًا لبناء دولة حديثة، تحولت إلى بوابة انهيار شامل.

في خضم هذا الانقسام، لم نكن نختلف فقط، بل  ننتقم من أنفسنا. كل طرف ظن أنه يثأر من خصمه، بينما الحقيقة أننا جميعًا كلنا نخدم العدو الحقيقي دون أن نشعر. فالخاسر كان اليمن، والرابح الوحيد كان الحوثي.

الحوثي لم يصنع قوته بعبقريته، بل استمدها من أخطائنا. استفاد من أخطاء النظام السابق، ومن فوضى ما سُمّي بالربيع العربي، ومن أحداث 11 فبراير، ومن إسقاط الدولة دون مشروع بديل، ومن هيكلة الجيش بطريقة أضعفت عموده الفقري، ومن اغتيال الضباط وقتل الجنود، ومن تفكك المؤسسة العسكرية، ومن تمدد تنظيم القاعدة، ومن تجاهل القضية الجنوبية، ومن كل حالة صراع، وكل شرخ، وكل انقسام.

وبينما نحن نُرهق أنفسنا بالخلافات، وننتحر سياسيًا، ونتقاتل، ونموت، ونندثر، ونزداد ضعفًا يومًا بعد يوم، كان العدو الحوثي يكبر بهدوء، ويتمدد بلا عوائق، ويطوّر أدواته العسكرية والأمنية والفكرية على حسابنا، متغذيًا على دمائنا، ومستثمرًا كل لحظة انقسام، وكل صراع جانبي، وكل رصاصة نوجّهها لبعضنا بدل أن نوجّهها إلى صدره.

الحقيقة المؤلمة التي يجب الاعتراف بها بلا مكابرة: لا منتصر في هذه الحرب العبثية بين اليمنيين. الجميع خاسر، باستثناء المشروع الحوثي الكهنوتي الذي بنى نفوذه على أنقاض الدولة والجمهورية. وما زلنا حتى اليوم نكرر السلوك ذاته، ننبش الماضي، نُحصي الأخطاء، ونتصارع حول التواريخ، بينما العدو الحوثي يرسّخ سلطته ويصادر هوية اليمن ومستقبله.

لقد آن الأوان، بل تأخر كثيرًا، أن يدرك اليمنيون الجمهوريون أن اليمن أكبر من كل الترهات، وأكبر من الأشخاص، وأكبر من المراحل. لا معنى للثأر السياسي، ولا قيمة لاجترار صراعات أثبتت نتائجها الكارثية. المطلوب اليوم ليس تصفية حسابات، بل توحيد الصفوف حول هدف واضح لا لبس فيه.

الوحدة المطلوبة ليست وحدة شعارات ولا بيانات، بل وحدة وعي وإرادة. وحدة تُعيد تعريف العدو بوضوح: الحوثي عدو الجميع، وعدو الجمهورية، وعدو الدولة، وعدو المستقبل للوطن والمنطقة بشكل عام ولا طريق للخلاص إلا باقتلاع هذا المشروع الايراني الدخيل، وتحرير شمال اليمن، واستعادة الدولة وعاصمتها صنعاء.

اليمن لا يحتاج مزيدًا من الخطباء، بل رجال دولة. لا يحتاج مزايدات، بل شجاعة في الاعتراف بالأخطاء، وحسمًا في تحديد الأولويات. فإما أن نضع اليمن أولًا، أو سنبقى أسرى الترهات… حتى يضيع ما تبقى من هذا الوطن واهله بسبب غبائنا واحقادنا.