عادل الهرش

عادل الهرش

تابعنى على

عندما يصبح الصمت العربي خيانة

Tuesday 03 March 2026 الساعة 11:17 pm

لم يعد ما يجري في منطقة الشرق الاوسط سلسلة أزمات منفصلة يمكن احتواؤها ببيانات الشجب، بل مساراً متصلاً لمشروع ايراني توسعي واضح المعالم. ومع كل عاصمة عربية تسقط تحت نفوذ هذا المشروع، يزداد الصمت الرسمي ثقلاً، حتى يغدو أقرب إلى شراكة غير معلنة في صناعة الخلل الاستراتيجي الذي يهدد المنطقة بأسرها.

تفرّج العرب على العراق وهو ينزلق تدريجياً إلى نفوذ عسكري وأمني عميق بدأ بشعارات الشراكة السياسية وانتهى باختراق مؤسسات الدولة. وفي سوريا استُثمرت الحرب لتكريس حضور طويل الأمد تجاوز الدعم العسكري إلى إعادة تشكيل خرائط السيطرة. أما لبنان، فقد أصبح قرار الدولة فيه مرتهناً لسلاح خارج إطار الشرعية، بينما تحولت اليمن إلى منصة تهديد مباشرة لجوارها وممراته البحرية بعد انقلاب الميليشيا على الدولة. لم تكن هذه الوقائع أحداثاً داخلية معزولة، بل حلقات في سياق واحد تقوده إيران بعقيدة توسعية وأدوات ميليشياوية عابرة للحدود.

السيناريو يكاد يتكرر في كل ساحة: اختراق سياسي تحت عناوين تحالفات مرحلية، تعبئة مذهبية ممنهجة، تسليح جماعات تدين بالولاء لأيران ونهجها الارهابي، ثم فرض أمر واقع بقوة السلاح. ومع كل خطوة، كان الصوت العربي الرسمي يراوح بين القلق والترقب، دون انتقال حقيقي من الإدانة اللفظية إلى الفعل الرادع.

اليوم، لم يعد التهديد نظرياً أو مؤجلاً. فالصواريخ والطائرات المسيّرة التي تستهدف عواصم دول الخليج العربي تكشف أن المشروع لا يعترف بسيادة الدول، وأنه مستعد لتصدير أزماته كلما ضاقت به الساحات. ما يُستهدف في أبو ظبي أو الرياض أو الدوحة والمنامة والكويت أو غيرهما ليس منشأة بعينها، بل مفهوم الأمن العربي ذاته.

ان الرهان على الحياد سقط عملياً في كل تجربة سابقة. فالحياد في مواجهة مشروع عابر للحدود ليس موقفاً آمناً، بل فراغاً يملؤه الخصم. والصمت أمام اختطاف دولة يفتح الباب لاختطاف أخرى. من يظن أن المسافة الجغرافية أو الحسابات الضيقة ستقيه المواجهة، يتجاهل أن خرائط النفوذ لا تعترف بالحدود عندما تغيب الإرادة الجماعية.

المعضلة لم تعد في توصيف السلوك الإيراني، فالأفعال تتحدث بوضوح: ميليشيات تؤدي أدواراً موازية للجيوش، صواريخ تُستخدم أوراق ضغط سياسية، واستثمار دائم في الانقسامات الداخلية لتحويلها إلى أدوات تفاوض إقليمي. استمرار هذا النهج يعني بقاء المنطقة رهينة دورات تصعيد متكررة تُختبر فيها حدود الرد العربي مرة بعد أخرى.

من هنا يبرز السؤال الجوهري: ما قيمة الحديث عن “الأمن القومي العربي” إذا جرى التعامل مع كل اعتداء بوصفه أزمة ثنائية معزولة؟ وما جدوى المؤسسات المشتركة إذا ظلت أسيرة بيانات لا تغيّر ميزان قوة ولا تردع عدواناً؟ إن أي اختراق في عاصمة عربية سينعكس حتماً على أخرى، لأن الأمن في جوهره كلٌّ لا يتجزأ.

اللحظة الراهنة تفرض مراجعة شجاعة تتجاوز الانفعال إلى بناء رؤية موحدة، وإرادة سياسية واضحة، وتنسيق أمني حقيقي وتشكيل قوة ردع عربية تعيد تعريف كلفة المساس بأي دولة عربية على أنها كلفة تمس الجميع. فالتاريخ لا يُكتب فقط بما يفعله الخصوم، بل بما تقرره الدول عندما تدرك أن الصمت لم يعد خياراً، وأن التفرج في زمن الحرائق ليس حياداً… بل خسارة مؤكدة.