سمير رشاد اليوسفي

سمير رشاد اليوسفي

تابعنى على

من طهران إلى باب المندب: أذرع بلا رأس

منذ ساعتان

سقط رأس الأخطبوط في وضح النهار. قُتل علي خامنئي في طهران، فانكشفت دولة أدمنت إدارة العنف عن بُعد، واكتشفت أن الحرب وصلت إلى باب المرشد نفسه.

قوة إيران قامت على حيلة واحدة: رأس في طهران، وأذرع في العواصم. لكن الأخطبوط بدأ ينزف قبل ذلك؛ ففي سبتمبر 2024 قُتل حسن نصر الله، أقدم أذرعه العربية وأثقلها، فدخل المحور طورًا جديدًا من الارتباك.

بعدها اختل ترتيب المحور. الذراع اللبنانية نزفت، والحوثي بدأ يتقدم داخل فراغ القيادة.

سوريا كانت حوض الأخطبوط. عبرها امتدت الذراع إلى لبنان، ومنها اكتملت حلقة المشرق. سقوط الأسد وصعود أحمد الشرع أخرجا دمشق من المدار الإيراني. الخسارة هنا ليست ميليشيا؛ إنها جغرافيا كانت تمنح الكائن كله ماءه وعمقه.

في لبنان، الذراع تتحرك بثقل. تقارير أميركية تشير إلى شبكة عالمية حوّلت أكثر من مئة مليون دولار لحزب الله منذ 2020، وإلى «القرض الحسن» والذهب والسيولة بوصفها جزءًا من معركة البقاء المالي. هذا وصف ذراع على جهاز دعم حياة.

في العراق، الذراع موجودة بلا امتياز إدارة مطلقة. نفوذ الفصائل قائم، لكن مشهد الأعوام الأخيرة يرسم ساحة أقل خضوعًا لطهران، وأكثر امتلاءً بصراعات البيت الشيعي وحسابات الدولة والشارع. الإشارة من الرأس تصل. الاستجابة لم تعد فورية.

في اليمن، الحوثيون أكثر الأذرع قدرة على الإزعاج. يهددون ممرًا دوليًا، ويجيدون رفع الكلفة، ويملكون فرصة ورثها الفراغ الذي خلّفه مقتل نصر الله داخل المحور. وتضعهم القراءات التحليلية في موقع واضح: جماعة يمنية الإدارة، إيرانية الإيقاع في لحظات الصواريخ والمضائق والقرارات الكبرى.

والمال يقول الباقي. شبكات النفط والتهريب هي المصدر الأساسي لتمويل الوكلاء والصواريخ والمسيّرات، ضمن حملة ضغط على منظومة إيران ووكلائها شملت أكثر من 875 شخصًا وسفينة وطائرة. الجمهورية التي وعدت المنطقة بالثورة، تظهر في الوثائق شبكة شحن تتكلم بلغة الصواريخ.

لكن إيران لا تنهار دفعة واحدة. تاريخها يعلّمها الصبر على الخسارة، والتكيف مع الضغط. ما نراه اليوم ليس نهاية المحور، بل اختباره الأصعب: هل تستطيع الأذرع أن تتحرك بلا رأس؟ وهل يكفي الإزعاج لبناء استراتيجية؟

المشهد في لقطة واحدة: رأس مضروب في طهران، حوض مفقود في سوريا، ذراع مرهقة في لبنان، ذراع مترددة في العراق، وذراع متخبطة عند باب المندب.

الأخطبوط الإيراني ما زال يتحرك. لكنه يتحرك ككائن خرج من مائه، ولم يبق له سوى كثرة الأذرع.

والواقع، في النهاية، أكثر قسوة من الصورة.

من صفحة الكاتب على إكس