د. صادق القاضي

د. صادق القاضي

تابعنى على

سقط ‏النظام الإيراني.. لكن. كيف وإلى أي مدى؟!

منذ 6 ساعات و 40 دقيقة

حتى لو لم يسقط "نظام الملالي" في طهران.. هذا النظام القائم على توازن دقيق بين الشرعية الدينية، (المرشد والمجالس ذات العلاقة)، والشرعية الثورية (الحرس الثوري) والشرعية المدنية. (رئاسة الجمهورية).. لن يستمر محافظا على كيانه وكينونته الجوهرية الأصلية هذه التي أسستها ثورة الخميني عام 1979.

 بل إن هذه التركيبة المعقدة في كيان النظام الإيراني تصدعت كثيرا منذ اليوم الأول لهذه الحرب التي. على الأرجح. لن تصل إلى نهايتها 

المباشرة قبل عدة أسابيع أخرى: 

مع مصرع المرشد الأعلى للنظام.. أصبح "الحرس الثوري". هو سيد الموقف في تحديد مواقف النظام والدولة والسلطة، وإصدار القرار الداخلي والخارجي.

المرجعيات الدينية "الملالي" منقسمة، حول معايير تصعيد المرشد الجديد. وهو ليس مجرد خلاف فقهي، بل صراع وجودي بين تيارين على الأقل:

 تيار أصولي متمسك بالشرعية التقليدية، وعلى خلاف مع الحرس الثوري الذي يحاول ابتلاع ما تبقى من مظاهر المدنية أو التعددية داخل أروقة السلطة.

وتيار براجماتي يرى أن المرحلة تقتضي تغليب الجوانب العسكرية، وأن الحرس الثوري هو الضامن الوحيد للحفاظ على النظام والدولة. والاستمرار في ظل المتغيرات الإقليمية الكبرى.

المرشد الجديد هو نفسه صنيعة الحرس الثوري. ولن يكون. كسابقيه. مرجعية لكل الفئات، بل "واجهة" لمصالح الحرس الثوري. وهو ما يعني انكماش نفوذ الملالي، والسلطة الدينية في طهران إلى حد كبير.

في الوقت نفسه. فقدت السلطة التنفيذية، ممثلة بالرئاسة. كثيرا من صلاحياتها الدستورية.. الرئيس مسعود بزشکیان، يشكو علنا استحواذ قائد الحرس الثوري، أحمد وحيدي، على قرار فرض طريقة إدارة الحرب والعلاقات الخارجية.

هذه الشكوى تعكس واقعاً مريراً؛ فالرئاسة في إيران تحولت من سلطة تنفيذية إلى "مكتب سكرتارية" لإدارة الأزمات المعيشية، بينما الملفات السيادية (الحرب، البرنامج النووي، النفوذ الإقليمي) أصبحت حكراً على أحمد وحيدي وجنرالات الظل.

على الصعيد الخارجي. نجحت الحرب الدائرة التي تقودها أمريكا وإسرائيل ضد إيران، حتى الآن في تدمير الجزء الأكبر من مقومات قوة النظام والدولة الإيرانية، عسكريا واقتصاديا وتنمويا، تقريبا. وهناك احتمال كبير أن تنجح في إسقاط النظام.

يدرك الحرس الثوري خطورة هذه النقطة المصيرية الأخيرة جيدا، وللحيلولة دونها. لا مناص أمام القيادة الإيرانية. الحرس الثوري بشكل خاص. من الانصياع للخيارات الدبلوماسية، ومن ثمّ إفساح المجال للقيادات المدنية. 

وهنا يأتي دور الرئيس بزشكيان؛ فرغم تهميشه في القرار العسكري، إلا أن النظام العسكري قد يستخدمه كواجهة مدنية "مقبولة" للتفاوض مع الغرب. 

سيقوم بزشكيان بتسويق التنازلات على أنها "انفتاح ودبلوماسية"، بينما هي في الحقيقة "إذعان" لواقع عسكري فرضه الحرس الثوري تجنباً للسقوط الكامل. على مختلف الجوانب والمستويات.

وبشكل عام. يشهد النظام الإيراني اليوم تحولا جذريا في "طبيعته، فهو إذا لم يسقط بضربة قاضية، فقد "سقط" من الداخل كمنظومة أيديولوجية شاملة. وضحى بشرعيته الشعبية والدينية المتبقية. وتحول إلى نظام عسكري تقريبا.

ولا شك. سيكون لهذا التحول ضريبته على المشهد الإيراني. على المدى القريب والمتوسط. هذا الاستحواذ المطلق للحرس الثوري قد يسرع من احتمالات الانفجار الداخلي نتيجة تهميش القوى التقليدية.

 لكن. في المقابل. هذه القبضة الحديدية قد تنجح في تدجين التناقضات الداخلية لفترة أطول.  فالأنظمة التي تمر بمرحلة "التحول الأمني الشامل" غالباً ما تنجح في تأجيل الانفجار عبر إحكام القبضة المؤسسية، حتى لو كان ذلك على حساب تآكل شرعيتها.