مأساة أيلول… عندما تكشف السيول أن الدولة في تعز مجرد شعار للمزايدة
حادثة الطفل أيلول السامعي الذي جرفته مياه الأمطار عبر عبارة مياه مفتوحة في مديرية القاهرة، لم تكن قدر محتوم ولا حادث عابر كما تحاول التبريرات الرسمية ترويجه بل هي جريمة إهمال مؤسسي صريحة ونتيجة حتمية لسنوات من التهاون المتعمد في صيانة البنية التحتية وتغييب الرقابة عن مشاريع تصريف السيول التي تتحول مع كل موسم مطر إلى مصائد قاتلة. قبل أشهر من الكارثة ناشدت والدة الطفل عبر صفحاتها السلطات المحلية في تعز بصراحة ووضوح، محذرة من أن إهمال عبارة المياه التي تمر قرب منزلهم يشكل خطر محدق بحياة الأطفال، لكن صوت الأم ضاع في صمت المسؤولين وتحول التحذير الموثق في صفحتها إلى مأساة مكتوبة بخط الإهمال الرسمي.
وليست هذه أول ضحية للسيل في تعز، فقبل أسابيع فقط نجا طفل آخر بصعوبة من براثن المياه في وادي القاضي بالمظفر، وفي السنوات الماضية تكررت الفاجعة في أحياء متعددة دون أن تتحرك جهة واحدة بجدية لتحويل الدروس إلى إجراءات وقائية، والسؤال الذي يطرح نفسه بلا مجاملة، إذا كانت السلطة المحلية تدعي إدارة الشأن الخدمي والسيطرة على المحافظة فلماذا تتحول عبارات السيول والمناهل المفتوحة إلى فخاخ يومية تنتظر ضحيتها التالية؟ ولماذا تتحول وعود الصيانة العاجلة والتحقيقات الشكلية إلى طقس هزلي يتكرر مع كل كارثة، بينما الأرض لم تتغير والدموع لم تجف؟ في الوقت الذي تستنزف فيه موارد المواطنين عبر جبايات موازية متعددة المسميات، من ضرائب محلات إلى رسوم حماية ودعم مقاومة، تظل الخدمات الأساسية في قاع الانهيار وشبكات الصرف تتفجر والطرق تتآكل وعبارات المياه تترك مفتوحة ومغلقة وفقاً لأهواء لجان لا تخضع لأي محاسبة ولا ترد لأحد.
المواطن في تعز لم يبخس على وطنه يوماً، ولا يمانع في أن يساهم من ماله وجهده لخدمة مدينته، لكنه يرفض بحزم أن تستغل تضحيته ووطنيته لتمويل شبكات نفوذ لا تبني مدرسة ولا تصلح طريق ولا تغطي عبارة مياه تهدد حياة أطفاله، وما كشفته مأساة أيلول ليس مجرد تقصير أو خطأ تقني يمكن تداركه، بل هو إفصاح صارخ عن فشل منظومة كاملة تتدثر برداء الدولة بينما في الواقع تمارس سلطة موازية تتنصل من أبسط واجباتها في حماية الأرواح. لقد تحولت الشعارات إلى غطاء لكل هذا الفشل المؤسسي والمناصب إلى مقاعد راحة والمحاسبة إلى كلمة تذكر لمجرد اسقاط الواجب في البيانات الرسمية فقط.
بعد كارثة أيلول، خرجت السلطة المحلية في مديرية القاهرة لتبرر الواقع ببيان يشير إلى أن الحاجز الشبكي كان سليمًا، وأن السكان هم من فتحوه لتصريف المياه، وكم هو تفسير مريح للمسؤولين لكنه لا يسقط الغطاء عن عورة التقصير الإداري والأمني في المحافظة، فلماذا لم تؤمن العبارة بأقفال أو كاميرات مراقبة؟ ولماذا لم تفعل أنظمة إنذار مبكر أو دوريات رقابية؟ ولماذا تترك بنية تحتية حيوية لمزاج لجان غير رسمية تتصرف وكأنها فوق القانون؟ المأساة الحقيقية ليست في فقدان طفل فحسب، بل في أن فقدان الأطفال أصبح في تعز أمر معتاد لدرجة أن ردود الأفعال الرسمية تقتصر على بيانات التعازي ولجان التحقيق الشكلية بينما تنتظر الأرض ضحية جديدة.
تعز لا تحتاج بيانات تترحم على أبنائها، بل تحتاج إلى سلطة تتحمل مسؤوليتها أو تفسح المجال لمن يستطيع تحملها. لا يكفي أن نبكي الأطفال بعد فوات الأوان ولا يقبل العقل أن تتحول حماية المواطنين إلى مسألة حظ وقدر، بينما الجبايات تتجمع بصمت والخدمات تتهاوى بصخب. إن كانت السلطة المحلية عاجزة عن تأمين عبارة مياه أو مترددة في محاسبة المقصرين أو مشغولة بحسابات سياسية على حساب أرواح الأبرياء فليقل المسؤولون ذلك بصراحة فالكذب على الناس أكبر جريمة والصمت عن الإهمال تواطؤ مع الموت. مأساة أيلول يجب أن تكون الفاصل الأخير، فمن عجز عن حماية طفل من سيل لا يحق له أن يدعي حماية مدينة ولا أن يتصدر مشهد الدولة التي لم تعد سوى شعار شكلي يرفع في الخطابات ويدفن تحت مياه الإهمال في الواقع.
من صفحة الكاتب على الفسبوك
>
