د. مطيع الاصهب

د. مطيع الاصهب

تابعنى على

بين صنعاء وعدن.. ماذا جرى ويجري؟

منذ ساعتان و 3 دقائق

في عدن، يطفئ مواطن آخر شمعة بعدما انقطعت الكهرباء من جديد. وفي صنعاء، يخرج موظف من منزله حاملاً همّ يومه قبل أن يحمل مفاتيح سيارته. وبين المدينتين يمتد وطن كامل يبحث عن نفسه وسط ركام الأزمات.

هكذا أصبح اليمن، وهذا هو اليمن، وهذا ما جرى ويجري.

بلدٌ لا تنقصه الثروات ولا التاريخ ولا الرجال، لكنه أصبح عاجزاً عن توفير أبسط مقومات الحياة لمواطنيه. بلدٌ كان يوماً يُضرب به المثل في التعايش والتجارة والحكمة، فإذا به اليوم يُضرب به المثل في الانقسام والأزمات وتعدد السلطات والقتل والاقتتال.

ماذا جرى؟

جرى أن السياسة تحولت من وسيلة لبناء الدولة إلى ساحة للصراع عليها. وجرى أن المشاريع الصغيرة كبرت حتى صارت أكبر من الوطن نفسه. وجرى أن المواطن أصبح آخر من يُسأل عنه، وأول من يدفع الثمن.

سنوات طويلة من الحرب والانقسام كانت كفيلة بتحويل حياة اليمنيين إلى رحلة يومية من المعاناة. فالكهرباء أصبحت حلماً في بعض المناطق، والراتب أمنية، والاستقرار خبراً من الماضي، بينما تتسع الفجوة بين ما يريده الناس وما يعيشه الناس. وفي الوقت الذي كان الجميع يعد المواطن بالجنة، وجد نفسه يبحث عن الماء والدواء والوقود وساعات تشغيل الكهرباء.

أما عدن، المدينة التي كان يُفترض أن تكون نموذجاً للتعافي والاستقرار، فقد وجدت نفسها مثقلة بأعباء هائلة؛ تراجع الخدمات، تحديات أمنية متكررة، وضغط اقتصادي يخنق المواطن يوماً بعد آخر.

وعندما تقع حادثة أمنية جديدة تهز الشارع، كما حدث بالأمس، يعود السؤال القديم إلى الواجهة: لماذا لا يزال اليمني يدفع ثمن الفوضى؟ ودون الخوض في تفاصيل لم تتضح نتائج التحقيقات بشأنها بعد، فإن تكرار مثل هذه الحوادث يكشف أن طريق الاستقرار ما زال أطول مما كان يأمل الناس.

لكن الحقيقة التي يحاول البعض تجاهلها هي أن أزمة عدن ليست معزولة عن أزمة صنعاء، وأن ما يحدث في صنعاء لا يتوقف أثره عند حدودها. فالدولة مثل الجسد؛ إذا مرض القلب تألمت الأطراف، وإذا تعطلت مؤسسة مركزية انعكس أثرها على الجميع.

ولهذا فإن عودة صنعاء إلى حضن الدولة ضرورة وطنية. لأن صنعاء ليست مجرد مدينة فحسب، بل مركز ثقل سياسي واقتصادي وسكاني. واستمرار خروجها عن إطار الدولة يعني استمرار نزيف الوطن كله. وعندما تعود صنعاء إلى مشروع الدولة، لن تستفيد صنعاء وحدها، بل ستتنفس عدن أيضاً. سيستعيد الاقتصاد جزءاً من عافيته، وستتراجع أسباب الصراع، وستتحول الموارد من تمويل الحروب إلى بناء المؤسسات والخدمات.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن لا أحد انتصر فعلاً. لا المنتصر شعر بالاستقرار، ولا المهزوم وجد الراحة، ولا المواطن وجد الحياة التي يستحقها. الجميع خسر شيئاً، لكن اليمن خسر أكثر. والسخرية القاسية أن اليمني أصبح خبير في الأزمات دون أن يدرسها. يحفظ أسعار العملات كما يحفظ أسماء أبنائه، ويتابع نشرات الكهرباء أكثر مما يتابع نشرات الطقس، ويحسب ساعات التشغيل كما يحسب عمره.

أي وطن هذا الذي أصبح فيه وصول الكهرباء مناسبة تستحق الاحتفال؟

وأي مرحلة هذه التي أصبح فيها المواطن يعتبر الحصول على الخدمات الأساسية إنجازاً استثنائياً؟

فبين صنعاء وعدن ضاع الكثير من الوقت، وضاعت فرص كثيرة، وضاعت أحلام أجيال كاملة.

لكن ما لم يضع بعد هو الأمل.

الأمل في أن يدرك الجميع أن الوطن أكبر من الجماعات، وأكبر من الأحزاب، وأكبر من المصالح الضيقة.

وأن الطريق إلى شفاء عدن يبدأ من استعادة الدولة، وأن الطريق إلى استقرار صنعاء يبدأ من العودة إلى الدولة، وأن الطريق إلى إنقاذ اليمن يبدأ من الإيمان بأن الوطن لا يمكن أن يُبنى إلا بكل أبنائه. فالتاريخ لا يرحم الذين يتصارعون على الأوطان حتى يضيع الوطن منهم جميعاً.