في اليوم العالمي للمفقودين.. آلاف اليمنيين يقاسون "غياب الحقيقة" خلف قضبان الحوثيين

السياسية - Saturday 30 August 2025 الساعة 09:31 pm
صنعاء، نيوزيمن، خاص:

في الـ30 من أغسطس من كل عام، يقف العالم أمام ذاكرة موجعة، متأملًا مصير آلاف المفقودين والمخفيين قسرًا في مختلف الدول، لكن اليمن يظل الأكثر حضورًا في هذه الذكرى المأساوية. ففي هذا اليوم، حيث تُرفع صور الغائبين في ساحات العالم وتُطلق نداءات الحرية، يبقى آلاف اليمنيين عالقين في دوامة الانتظار، قلوبهم معلّقة على أمل بعودة أحبة غيّبتهم زنازين ميليشيا الحوثي بلا محاكمات ولا مرافعات.

وراء جدران السجون، يعيش المختطفون حياة قاسية، بين المرض الذي ينهش أجسادهم والتعذيب الذي يحطّم إنسانيتهم، وسط حرمان متعمّد من أبسط حقوقهم في العلاج والزيارة والاتصال بأسرهم. وفي المقابل، تمضي عائلاتهم أيامها ولياليها مثقلة بالقلق والخذلان، لا تدري إن كانت ستستقبل أبناءها يومًا بفرحة اللقاء، أم ستصطدم بخبر رحيل صامت ينهي رحلة الانتظار الطويلة.

إنه يوم عالمي لتذكير البشرية بواحدة من أبشع الجرائم التي تُرتكب في الحروب، لكنه بالنسبة لليمنيين أكثر من مجرد ذكرى رمزية؛ إنه مرآة لواقع حاضر يتصدّر اليمن واجهته كأحد أكثر البلدان التي تشهد حالات إخفاء قسري في العالم. فمنذ اندلاع الصراع، تحول هذا الملف إلى جرح مفتوح ينزف إنسانيًا وحقوقيًا، وسط عجز المجتمع الدولي عن كبح آلة الانتهاكات أو منح الضحايا وأسرهم بارقة أمل بإنهاء المعاناة الممتدة.

حملات متواصلة تستهدف التربويين والناشطين

تزامن إحياء هذه المناسبة هذا العام مع موجة جديدة من الانتهاكات الحوثية، حيث كثفت الميليشيات خلال الأيام الماضية حملات اعتقال ممنهجة طالت مختلف شرائح المجتمع، مستهدفة هذه المرة التربويين والناشطين وخطباء المساجد وحتى المزارعين البسطاء. ففي مديرية حيفان بمحافظة تعز، أكدت مصادر محلية أن الحوثيين شنوا مداهمات ليلية واقتحموا منازل العشرات من المعلمين والناشطين، ليتم اقتياد أكثر من 50 منهم إلى سجن الصالح سيئ الصيت في منطقة الحوبان، حيث يتعرض المحتجزون عادةً للتعذيب الجسدي والنفسي وحرمانهم من التواصل مع ذويهم.

وفي مديرية ماوية المجاورة، شهدت القرى حملات مماثلة استهدفت خطباء مساجد ووجاهات اجتماعية ومزارعين، ما يعكس اتساع دائرة القمع التي لم تعد تقتصر على الأصوات السياسية أو الإعلامية فحسب، بل طالت شرائح يفترض أنها بعيدة عن ساحة الصراع المباشر. 

أما في محافظة الحديدة، فقد كانت مديرية المراوعة على موعد مع حملة عنيفة أسفرت عن اختطاف أكثر من 60 شخصًا عقب احتجاجات سلمية نظمها الأهالي للمطالبة بمحاسبة قيادي حوثي قتل مواطنًا بدم بارد، في مشهد يعكس كيف توظف الجماعة القبضة الأمنية لإسكات أي صوت يطالب بالعدالة.

الحقوقية إشراق المقطري أوضحت أن هذه الاعتقالات لم تقتصر على أماكن العمل أو الأسواق العامة، بل طالت الكثيرين حتى داخل منازلهم أمام أنظار أسرهم، ما زرع حالة من الرعب في الأوساط المجتمعية. وأشارت إلى أن العديد من العائلات تفضّل التزام الصمت وعدم الكشف عن أسماء الضحايا خوفًا من الانتقام، أو أملًا في إمكانية التوصل إلى تسوية مالية قد تفضي إلى الإفراج عنهم، وهو ما حوّل قضية المختطفين إلى سوق سوداء للابتزاز تمارسها الميليشيا دون أي رادع.

جرائم تتجاوز الاختطاف

الاعتقالات لم تكن وحدها، بل ترافقت مع انتهاكات أشد قسوة تمس الحق في الحياة ذاته. فقد دان وزير الإعلام والثقافة والسياحة معمر الإرياني جريمة قتل الشاب خالد عيسى حميدي، الذي كان يعاني من اضطرابات نفسية، برصاص أحد المشرفين الحوثيين في صنعاء. وبحسب مصادر محلية، فقد أطلق المسلح الحوثي النار على الضحية بدم بارد أمام أنظار المارة، دون أي مبرر أو مسوغ قانوني، في جريمة هزّت مشاعر اليمنيين وأعادت إلى الواجهة حجم الاستهتار الذي تمارسه الميليشيات بحق حياة المدنيين.

هذه الجريمة لم تقتصر تداعياتها على فقدان حياة إنسان أعزل، بل فجرت موجة عارمة من الغضب على منصات التواصل الاجتماعي، حيث طالب ناشطون وحقوقيون بسرعة محاسبة القاتل وضمان عدم إفلاته من العقاب. إلا أن رد فعل الجماعة كان صادمًا؛ فبدلاً من تقديم القاتل للعدالة، أقدمت على ملاحقة واعتقال عدد من الناشطين الذين تجرأوا على إدانة الحادثة، في محاولة واضحة لإسكات الأصوات الحرة وإخماد أي حراك مجتمعي يطالب بالحقوق.

ويرى مراقبون أن هذه الواقعة تجسد بوضوح طبيعة التعامل الحوثي مع حقوق الإنسان، حيث تغيب سلطة القانون بشكل كامل وتستبدل بسلطة السلاح والنفوذ. فالجماعة –بحسب تقارير حقوقية– تمارس سياسة ممنهجة قوامها العنف والترهيب والقتل خارج إطار القانون، وهي سياسة لا تستثني حتى الفئات الأضعف كالمعاقين والمرضى النفسيين. ويؤكد حقوقيون أن استمرار مثل هذه الجرائم دون محاسبة يشجع على تكرارها، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية مضاعفة للضغط من أجل وقف الانتهاكات وحماية المدنيين.

صرخة أمهات.. وأرقام تكشف المأساة

رابطة أمهات المختطفين، التي تحولت منذ سنوات إلى أيقونة للنضال المدني في اليمن، جددت في هذه المناسبة مناشدتها للمجتمع الدولي بالتحرك الفعلي لإنقاذ المختطفين والمخفيين قسرًا، مؤكدة أن صرخات الأمهات لا يجب أن تبقى مجرد أصوات في الفراغ. فمنذ تأسيسها، لم تتوقف الرابطة عن تنظيم الوقفات الاحتجاجية والاعتصامات السلمية أمام مقرات المنظمات الدولية، رافعة صور أبنائها ولافتات كتب عليها "أطلقوا سراحهم".. في محاولة لإبقاء قضيتهم حاضرة رغم صمت العالم.

وبحسب بيانات الرابطة، فإن عدد المختطفين المدنيين الموثقين بلغ 1,043 شخصًا، بعضهم يقبعون خلف القضبان منذ أكثر من ثماني سنوات، في ظروف احتجاز وُصفت بأنها "غير إنسانية على الإطلاق". فالمعتقلون محرومون من أبسط الحقوق؛ لا زيارات منتظمة، ولا غذاء كافٍ، ولا رعاية صحية. وتشير تقارير الرابطة إلى أن العشرات في السجن المركزي بصنعاء ظهرت عليهم أعراض وبائية خطيرة يُعتقد أنها الكوليرا، وسط تجاهل متعمد من قبل القائمين على السجن الذين يمنعون إدخال الأدوية أو السماح بزيارة الأطباء.

هذه الأرقام –كما تقول الرابطة– لا تعكس حجم المعاناة فحسب، بل تكشف عن مأساة إنسانية متجددة تعيشها آلاف الأسر اليمنية التي وجدت نفسها فجأة بلا معيل، بين أطفال ينتظرون آباءهم، وأمهات أنهكهن التعب، وزوجات يترقبن مصيرًا مجهولًا. وتؤكد الرابطة أن ما يجري هو "جريمة منظمة"، تستدعي موقفًا دوليًا أكثر صرامة من بيانات الشجب، وعملاً حقيقيًا لإطلاق سراح المختطفين وإنهاء سياسة الإخفاء القسري التي حولت حياة مئات العائلات إلى جحيم مفتوح.

المفقودين في تزايد

أطلقت اللجنة الدولية للصليب الأحمر تحذيرًا جديدًا من اتساع رقعة المأساة الإنسانية في اليمن، حيث أعلنت أنها سجلت نحو 4,828 شخصًا كمفقودين خلال العقد الماضي فقط، عبر شبكة الروابط العائلية التي تديرها في مناطق النزاع. هذه الأرقام –بحسب اللجنة– ليست مجرد إحصائيات جامدة، بل هي قصص إنسانية لمئات الأسر التي ما تزال عالقة في دوامة القلق، تبحث عن أي خيط أمل يقودها إلى مصير أحبائها.

وفي مسعى لتخفيف هذا الألم، أوضحت اللجنة أنها وزعت أكثر من 37 ألف رسالة عائلية ساعدت على إعادة التواصل بين الأسر المشتتة، كما سهلت عمليات لمّ شمل 145 عائلة فرّقتها الحرب، مشيرة إلى أن هذه الجهود الإنسانية رغم أهميتها تبقى محدودة أمام حجم المأساة الحقيقية التي يعيشها اليمنيون.

وقالت رئيسة بعثة اللجنة في اليمن، كريستين شيبولا: "من حق العائلات أن تعرف ما حل بذويها. الانتظار لا يخفف من الألم، والزمن لا يكشف الحقيقة". وأضافت أن الغياب القسري يترك جروحًا عميقة لا تلتئم، إذ تعيش الأمهات والأطفال بين أمل العودة وخوف الفقدان، وهو ما يجعل الكشف عن مصير المفقودين خطوة أساسية لتحقيق أي شكل من أشكال العدالة.

وتشدد اللجنة على أن التعامل مع ملف المفقودين يجب أن يكون أولوية في أي مفاوضات سلام قادمة، مؤكدة أن استمرار حالة الغموض والإخفاء القسري لا يهدد فقط حاضر الضحايا وأسرهم، بل يترك ندوبًا طويلة الأمد على النسيج الاجتماعي في اليمن.

سياسة "الموت البطيء"

الهيئة الوطنية للأسرى والمختطفين كشفت في بيانها أن ما يجري داخل سجون الحوثيين لا يقتصر على مجرد احتجاز تعسفي، بل يتجاوز ذلك إلى ممارسات ممنهجة ترقى إلى سياسة تعذيب بطيء تهدف إلى إنهاك الضحايا نفسيًا وجسديًا حتى يفقدوا القدرة على الصمود. ومن بين أبرز الانتهاكات التي وثقتها الهيئة: الحرمان من الأدوية الأساسية لمرضى القلب والسكري والفشل الكلوي، وإهمال الحالات الحرجة التي تتطلب عمليات جراحية عاجلة، ما يحول المرض إلى حكم إعدام غير معلن.

كما تشمل الممارسات مصادرة الأغطية والملابس الشتوية وترك المختطفين عرضة للبرد القارس في الزنازين، إضافة إلى التقليص الشديد لزيارات العائلات، بحيث لا تتجاوز دقائق معدودة وتتم تحت رقابة مشددة تمنع أي تواصل حقيقي. وأكدت الهيئة أن هذه الظروف القاسية ليست عشوائية بل مقصودة، في إطار ما وصفته بـ"سياسة الموت البطيء"، التي أودت بحياة ما لا يقل عن 476 مختطفًا خلال السنوات السبع الماضية، وفق إحصائيات الشبكة اليمنية للحقوق والحريات.

حقوقيون يمنيون أكدوا أن هذه الانتهاكات تدخل ضمن تعريف الجرائم ضد الإنسانية، نظرًا لطابعها الممنهج والواسع، مطالبين بإحالتها إلى المحكمة الجنائية الدولية. واعتبر وكيل وزارة حقوق الإنسان، نبيل عبدالحفيظ، أن ما يحدث في السجون الحوثية يمثل جرائم لا تسقط بالتقادم، داعيًا المنظمات المحلية والدولية إلى الاستمرار في التوثيق وممارسة ضغط أكبر لإجبار الحوثيين على وقف هذه السياسات والإفراج عن المختطفين.

ويرى مراقبون أن استمرار هذا الوضع لا يهدد فقط حياة المئات ممن لا يزالون خلف القضبان، بل يترك آثارًا مدمرة على أسرهم والمجتمع اليمني ككل، في ظل غياب العدالة وضعف التدخل الدولي الفعّال، ما يجعل ملف المختطفين أحد أكثر الملفات إلحاحًا في مسار الحرب والسلام باليمن.

دعوات دولية متكررة

على الصعيد الدولي، جدّد الاتحاد الأوروبي تضامنه مع ضحايا الاختفاء القسري في اليمن، مؤكدًا في بيان رسمي: "نقف متضامنين مع جميع المخفيين قسرًا والمفقودين في اليمن، وندعو إلى الحقيقة والعدالة والإفراج الفوري عن جميع المحتجزين بصورة غير قانونية". ولم يكن هذا الموقف الأول من نوعه، إذ سبق أن أصدرت الأمم المتحدة عبر مجلس حقوق الإنسان واللجنة المعنية بحالات الاختفاء القسري تقارير متكررة، حثت فيها على الكشف عن مصير المفقودين ومحاسبة المتورطين في هذه الانتهاكات. كما طالبت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش بضرورة تشكيل آلية دولية مستقلة لمراقبة السجون ومراكز الاحتجاز في اليمن.

ورغم تكرار هذه البيانات والنداءات، إلا أن الملف ما يزال يراوح مكانه، حيث يرى ناشطون حقوقيون أن المواقف الدولية لم تتجاوز حدود التعبير عن القلق وإصدار بيانات تضامن، دون خطوات عملية رادعة مثل فرض عقوبات على المسؤولين عن هذه الجرائم أو الضغط لفتح ممرات إنسانية لمتابعة أوضاع المختطفين. وفي المقابل، تتهم أسر الضحايا المجتمع الدولي بـالتساهل والصمت المريب أمام فداحة المأساة، معتبرة أن غياب الضغوط الحقيقية شجّع الميليشيات على التمادي في انتهاكاتها.

ويرى مراقبون أن استمرار تجاهل هذا الملف يضعف الثقة في فاعلية المنظومة الدولية لحقوق الإنسان، ويجعل آلاف العائلات اليمنية تشعر بأنها تُركت وحدها في مواجهة معاناة مركبة من القهر والغياب والانتظار الطويل، فيما تظل أصواتها تتردد بلا صدى في أروقة المجتمع الدولي.

وجع ممتد.. متى تنتهي المأساة؟

بين جدران السجون المظلمة وأمام أبواب المنازل المغلقة، تتوزع فصول مأساة إنسانية عنوانها الغياب والانتظار. في يوم يُفترض أن يكون دعوة للسلام والأمل، يجد اليمنيون أنفسهم أمام واقع قاتم يكتنفه الخوف والقلق، حيث تستمر الانتهاكات بلا توقف، وتبقى آلاف الأسر معلّقة بين أمل ضئيل وخذلان متواصل. الأطفال يكبرون على صور آبائهم وأمهاتهم، وقلوبهم مثقلة بالأسئلة التي لا تجد جوابًا، فيما الكبار يعيشون صدمة مستمرة من فقدان أحبائهم، ويتناوبون بين الألم واليأس والانتظار الذي يطول بلا نهاية.

ومع كل نداء عالمي في اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، يتجدد السؤال اليمني المرير: متى ستتحول هذه النداءات إلى أفعال ملموسة؟ متى ستصل الضغوط الدولية إلى مستوى يجبر ميليشيات الحوثي على الإفراج عن المختطفين، أو على الأقل الكشف عن مصيرهم؟ متى سيجد اليمنيون حلاً يضمن لهم حقهم في حياة كريمة بلا خوف ولا قهر، ويعيد لأسرهم دفء اللقاء وطمأنينة الغياب عن الموت المجهول؟. يبقى هذا السؤال معلّقًا في سماء اليمن، شاهداً على مأساة مستمرة منذ سنوات، وعلى صبر لا ينفد من أهالي المخفيين قسرًا، الذين رغم الألم المستمر، يرفضون أن ينسوا أحبائهم، ويصرون على أن تتحول كلمات التضامن إلى حقيقة ملموسة تعيد الحقوق المغيبة وتوقف مسلسل المعاناة.