السجون السرية المزعومة في اليمن: روايات متناقضة وتحقيقات غائبة

السياسية - Tuesday 20 January 2026 الساعة 09:54 pm
المكلا، نيوزيمن، خاص:

عاد ملف ما يُعرف بـ"السجون السرية" في اليمن إلى الواجهة مجددًا، في ظل تصاعد الاتهامات المتبادلة بين الحكومة اليمنية ودولة الإمارات العربية المتحدة، على خلفية تصريحات رسمية تتحدث عن احتجاز مواطنين وإدارة مرافق سرية داخل مواقع عسكرية في محافظة حضرموت، مقابل نفي إماراتي قاطع واتهامات بتسييس الملف وتوظيفه في صراعات داخلية.

ويُعد ملف الاحتجاز والإخفاء القسري من أكثر القضايا حساسية في اليمن، نظرًا لتشابكه مع الحرب المستمرة، وتعدد القوى العسكرية والأمنية المحلية التي انتجتها الحرب العبثية التي تقودها الميليشيات الحوثية المدعومة من إيران، إضافة إلى الانقسام السياسي والمؤسسي. ومع كل تصعيد سياسي، يطفو هذا الملف إلى السطح، غالبًا دون نتائج تحقيقات مستقلة تُنهي الجدل أو تحسم المسؤوليات.

وخلال الأيام الماضية، فجّرت تصريحات صادرة عن مسؤولين في الحكومة اليمنية موجة جديدة من السجال، بعدما وُجهت اتهامات مباشرة لدولة الإمارات بإدارة "سجون سرية" داخل منشآت عسكرية في حضرموت، وهي اتهامات قوبلت بنفي رسمي شديد اللهجة من أبوظبي.

واتهم محافظ حضرموت المعين حديثًا عضو في مجلس القيادة الرئاسي، سالم الخنبشي، ووزير الإعلام والثقافة والسياحة في حكومة تصريف الأعمال معمر الإرياني، دولة الإمارات بإدارة مرافق احتجاز سرية في قاعدة مطار الريان الجوية وميناء الضبة النفطي، مشيرين إلى حالات اختطاف وإخفاء قسري لمواطنين من أبناء المحافظة خلال فترة مشاركة القوات الإماراتية ضمن تحالف دعم الشرعية في اليمن.

وجاءت هذه التصريحات خلال مؤتمر صحفي رسمي، قال فيه الخنبشي إن السلطات المحلية ستتخذ "الإجراءات القانونية اللازمة" حيال ما وصفه بانتهاكات تمس السيادة وحقوق المواطنين، كما شملت الاتهامات رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، في سياق ربطه بالدور الإماراتي في حضرموت.

في المقابل، أصدرت وزارة الدفاع الإماراتية بيانًا نفت فيه بشكل قاطع جميع الاتهامات، ووصفتها بأنها "مزاعم وادعاءات باطلة ومضللة لا تستند إلى أي دليل أو حقيقة"، معتبرة أن هذه التصريحات تمثل محاولة لتضليل الرأي العام وتشويه سمعة القوات المسلحة الإماراتية.

وأكد البيان أن المواقع المشار إليها هي منشآت عسكرية طبيعية، تشمل ثكنات وغرف عمليات وملاجئ محصنة، بعضها يقع تحت الأرض، وهو أمر شائع في القواعد العسكرية حول العالم، ولا يحمل أي دلالات على وجود مرافق احتجاز سرية.

كما شددت الوزارة على أن الإمارات أنهت انسحابها العسكري الكامل من اليمن في 2 يناير 2026، وأنها لم تعد تدير أي مواقع أو منشآت داخل الأراضي اليمنية.

ويرى مراقبون أن الاتهامات الأخيرة ليست الأولى من نوعها، إذ سبق أن طُرحت روايات مشابهة خلال سنوات مشاركة الإمارات ضمن التحالف العربي، خصوصًا من قبل ميليشيا الحوثي وتنظيم الإخوان المسلمين، وهما طرفان تضررا بشكل مباشر من العمليات العسكرية التي نُفذت بدعم إماراتي، سواء في الساحل الغربي أو في حضرموت. 

وخلال تلك الفترة، قادت القوات اليمنية، بدعم من التحالف، عمليات عسكرية واسعة أسفرت عن استعادة مناطق استراتيجية من الحوثيين أهمها الساحل الغربي والحديدة، وتفكيك معاقل لتنظيم القاعدة في حضرموت، وهو ما ربطه محللون بظهور حملات سياسية وإعلامية هدفت إلى تقويض دور التحالف.

ويشير محللون إلى أن إعادة إحياء هذه الاتهامات بعد إعلان انسحاب الإمارات وتسليم مواقعها للقوات الحكومية في يناير الجاري طرح تساؤلات حول توقيت التصعيد وخلفياته السياسية.

على صعيد الرأي العام، أعاد ناشطون وصحفيون تداول تقارير إخبارية بثتها وسائل إعلام يمنية وسعودية في فترات سابقة، نفت وجود أي سجون سرية في حضرموت أو غيرها من المناطق الخاضعة لسيطرة التحالف.

ونشر الناشط علي الجفري تسجيلًا مصورًا من قناة العربية السعودية، يتضمن نفيًا رسميًا من التحالف العربي لوجود مرافق احتجاز سرية، معتبرًا أن هذه القضية «كذبة أعيد تدويرها»، وأن تقارير سابقة نفتها بشكل واضح.

وأشار الجفري إلى أن بعض التقارير الإعلامية التي تحدثت عن أسلحة أو متفجرات داخل منشآت مدنية أو إغاثية لم تصمد أمام التدقيق، خاصة في ظل ما وصفه بمعرفة أبناء حضرموت بتفاصيل الواقع على الأرض.

من جانبه، رد المتحدث باسم المجلس الانتقالي الجنوبي، أنور التميمي، على الاتهامات، معتبرًا أنها «محاولات مكشوفة» تستهدف النيل من الدور الذي لعبته الإمارات في دعم الأمن والاستقرار بساحل حضرموت.

وأشار التميمي إلى أن الواقع الأمني خلال السنوات الماضية، خصوصًا بعد انتشار قوات النخبة الحضرمية المدعومة إماراتيًا، شهد توقفًا شبه كامل لعمليات الاغتيال التي كانت منتشرة قبل ذلك، وهو ما اعتبره مؤشرًا على تحسن الوضع الأمني وليس العكس.

كما لفت إلى أن مطار الريان لم يكن حكرًا على الوجود الإماراتي، بل تواجدت فيه أيضًا قوات سعودية وأطراف أخرى ضمن التحالف، معتبرًا أن توجيه الاتهامات لدولة واحدة يثير تساؤلات حول دوافعها.

وفي ظل هذا التضارب في الروايات، يؤكد مختصون في الشأن الحقوقي أن ملف السجون السرية في اليمن لا يمكن حسمه عبر التصريحات السياسية أو السجالات الإعلامية، بل يتطلب تحقيقات مستقلة وشفافة، تشارك فيها جهات قضائية وحقوقية محايدة، وتستند إلى معايير القانون الدولي الإنساني.

وتبقى هذه القضية جزءًا من مشهد يمني معقد، تتداخل فيه السياسة بالأمن، والحقوق بالصراع، في وقت يعاني فيه المواطن اليمني من تداعيات حرب مستمرة وانقسام مؤسسي حاد.