عطش يثقل المدينة.. أزمة مياه خانقة تضاعف معاناة سكان تعز
السياسية - Friday 06 March 2026 الساعة 10:22 pm
تعز، نيوزيمن:
في أحياء مدينة تعز، لم يعد الماء مجرد خدمة أساسية، بل تحوّل إلى هاجس يومي يرهق الأسر ويثقل كاهلها نفسيًا وماديًا. مع ساعات الفجر الأولى، يصطف السكان أمام "السبل" أو يقطعون مسافات طويلة حاملين أوعيتهم على الأكتاف، في مشهد إنساني يعكس حجم المعاناة التي تفاقمت خلال الأسابيع الأخيرة، حيث بات الحصول على الماء مهمة شاقة في مدينة أنهكتها الأزمات المتلاحقة.
ويقول سكان محليون إنهم يضطرون للانتظار لأسابيع من أجل شراء "وايت" ماء واحد، في ظل شح حاد بمصادر المياه وتراجع مستمر في منسوب الآبار اليومية. وبلغت تكلفة "زفة" الماء الواحدة نحو 100 ألف ريال يمني، وهو مبلغ يفوق قدرة كثير من الأسر التي تعاني أصلًا من غلاء معيشي متصاعد وتدهور في الدخل.
الأطفال والمرضى وكبار السن هم الأكثر تضررًا من الأزمة، بحسب إفادات الأهالي، إذ تحوّل توفير الماء إلى عبء يومي ينعكس مباشرة على الصحة العامة والنظافة والحياة المدرسية. ومع دخول موسم الحرارة والجفاف، يحذر ناشطون ومختصون من أن وصول سعر 3000 لتر من المياه إلى 60 ألف ريال يمثل خطرًا مباشرًا على حياة المواطنين.
وناشد أهالي تعز الجهات المعنية وأهل الخير التدخل العاجل لإيجاد حلول مستدامة، مؤكدين أن المياه "أبسط حق من حقوق الإنسان"، وأن استمرار الأزمة يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في المدينة.
اتهامات بـ"تأجير الأزمة" في التربة
وفي تطور موازٍ، اتسعت رقعة المعاناة إلى المناطق الريفية الجنوبية، خصوصًا مدينة التربة مركز مديرية الشمايتين. وكشفت مصادر محلية عن اتهامات لإدارة مشروع المياه هناك بتعمد خلق أزمة مفتعلة، عبر تحويل مسار المياه بصورة غير رسمية إلى صهاريج نقل خاصة "ويتات"، تُباع حمولتها بأسعار مضاعفة للمواطنين.
وبحسب المصادر، فإن غالبية هذه الصهاريج لا تملك سندات رسمية تخولها نقل المياه، لكنها تواصل التعبئة من المشروع الحكومي الرئيسي، في وقت يُحرم فيه المواطنون من حصتهم المباشرة بذريعة "عجز المشروع" عن تلبية الاحتياجات. ويصف مراقبون هذا السلوك بأنه "تأجير للأزمة بدلًا من حلها".
وطالب ناشطون السلطة المحلية باتخاذ خطوات عاجلة، من بينها الإشراف المباشر على الآبار الارتوازية، وإلغاء الجبايات التي تتحصلها جهات مدنية وعسكرية، وترشيد الاستهلاك، وضمان توزيع عادل للمياه بعيدًا عن الاستغلال. كما حمّلوا قيادة المحافظة مسؤولية التقاعس عن اتخاذ إجراءات حاسمة، منتقدين ما وصفوه بضعف الاستجابة لمستوى المعاناة.
واتهم ناشطون قيادات عسكرية نافذة باستغلال ملكية بعض الآبار وفرض جبايات على ملاكها وسائقي الصهاريج، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق، وجعل غالبية المواطنين غير قادرين على الشراء، مكتفين بانتظار مبادرات فاعلي الخير في بعض الأحياء.
حياة مرهونة بالإمدادات الخارجية
ويحذر مختصون من أن استمرار الأزمة يجعل حياة ملايين السكان مرتهنة لإمدادات المياه القادمة من منطقة الحوبان شمال شرق تعز أو من ريف تعز الجنوبي، مؤكدين أن أي تعطيل لهذه الإمدادات قد يفاقم الكارثة الإنسانية.
وطالبوا بتدخل عاجل من قيادة الدولة ممثلة برئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، وتشكيل غرفة عمليات طوارئ لمعالجة الأزمة، مشددين على أن أزمة المياه في تعز لم تعد مجرد مشكلة خدمية، بل أصبحت قضية "حياة أو موت" تتطلب حلولًا جذرية وسريعة.
من جهته، اتهم الأكاديمي الدكتور إسماعيل عبد الحافظ السلطات المحلية والمؤسسات المائية في تعز بانتهاج سياسة ممنهجة تقوم على "تعطيش المدينة"، وترسيخ ثقافة الحرمان بدل البحث عن حلول حقيقية. وفي منشور له على فيسبوك بعنوان "سُدوها بعودي"، استعاد واقعة تاريخية منسوبة لوزير المياه والأشغال السابق عبد الله الكرشمي، معتبرًا أن الذهنية ذاتها ما زالت تحكم إدارة الملف المائي في تعز.
وأشار إلى أن المؤسسات المعنية لا تكتفي – بحسب وصفه – بعرقلة مشاريع الإمداد، بل تتعامل مع أي مصدر محتمل للمياه، سواء من المخا أو من السدود أو من مياه الأمطار، بعقلية المنع والحرمان، رغم وجود تمويل خارجي بملايين الدولارات لمشاريع مائية لم ينعكس أثرها على حياة المواطنين.
وأكد أن الأزمة في تعز باتت "مأساة مركبة" تتداخل فيها عوامل الفساد والإهمال وضعف الإدارة، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تدخل حاسم يعيد للمياه صفتها كحق أساسي لا يجوز أن يبقى رهينة الصراعات والمصالح.
>
