قرارات بلا تنفيذ.. الجبايات مستمرة في الطرقات والمنافذ اليمنية
السياسية - Sunday 08 March 2026 الساعة 01:09 pm
تعز، نيوزيمن، خاص:
في بلدٍ أنهكته الحرب وتآكلت فيه مؤسسات الدولة، باتت الجبايات غير القانونية واحدة من أبرز المظاهر التي تثقل كاهل المواطنين وتضاعف أعباءهم المعيشية، وأصبحت الشواهد علنية على ما يتم فرضه من قبل جهات حكومية رسمية في مختلف المحافظات المحررة.
فبينما تعلن السلطات العليا مراراً عن قرارات وتوجيهات لوقف هذه الممارسات، يواجه اليمنيون واقعاً مختلفاً على الأرض، حيث تستمر الجبايات بوتيرة لافتة في المنافذ البرية والطرق الرئيسية وحتى داخل المدن، في مشهد يعكس فجوة واضحة بين القرارات الرسمية والتنفيذ الفعلي.
وخلال الفترة الماضية، أصدر رشاد محمد العليمي ومعه مجلس القيادة الرئاسي، إلى جانب الحكومات المتعاقبة، توجيهات متكررة إلى السلطات المحلية والأجهزة الأمنية في المحافظات المحررة بضرورة وقف الجبايات غير القانونية وإزالة النقاط غير الرسمية التي تفرض رسوماً على المسافرين والتجار. غير أن تلك التوجيهات، بحسب مراقبين وناشطين، لم تنعكس بشكل ملموس على الواقع، إذ لا تزال الشكاوى تتكرر من استمرار فرض رسوم غير قانونية في عدد من المناطق.
ويرى مراقبون أن استمرار هذه الظاهرة يعكس ضعفاً في آليات الرقابة والمساءلة، إضافة إلى تعدد الجهات التي تمارس النفوذ الميداني، ما يجعل القرارات الحكومية في كثير من الأحيان عاجزة عن إيقاف هذه الممارسات أو الحد منها.
جبايات مستمرة
ومن أبرز الشواهد على استمرار الجبايات ما يجري في منفذ الوديعة الحدودي، أحد أهم المنافذ البرية التي تربط اليمن بالسعودية، والذي يمر عبره آلاف المسافرين بشكل يومي.
وفي هذا السياق، كشف الناشط الإعلامي أحمد القاضي عن حادثة تعكس استمرار فرض رسوم غير رسمية على المسافرين، حيث كتب في منشور على صفحته في Facebook أن موظفين في الجوازات لا يزالون يفرضون مبالغ مالية مقابل ختم جوازات السفر.
وقال القاضي في شهادته إن الموظفين يرفضون ختم الجواز إلا بعد دفع 10 ريالات سعودية أو نحو أربعة آلاف ريال يمني، مضيفاً أنه حاول إقناع أحد الموظفين بأن رئيس مجلس القيادة الرئاسي أصدر توجيهات بمنع هذه الجبايات، إلا أن الرد كان – بحسب قوله –: "خلي العليمي يختملك جوازك"- في إشارة لرئيس مجلس القيادة الرئاسي الذي أصدر توجيهات بمنع الجبايات.
وأشار إلى أنه اضطر في نهاية المطاف لدفع المبلغ بعد تدخل مسافرين آخرين نصحوه بالدفع لتجنب التأخير، مؤكداً أن الواقعة حدثت معه شخصياً أثناء مروره بالمنفذ، وهو ما أثار موجة تفاعل وانتقادات واسعة على مواقع التواصل.
ولا تقتصر هذه الممارسات على المنافذ والنقاط الأمنية، بل تمتد أيضاً إلى داخل المدن، كما هو الحال في تعز، حيث تحوّلت الأرصفة والشوارع في بعض المناطق إلى مصادر جباية عبر عقود إيجار أو رسوم تُفرض على الباعة والأنشطة التجارية.
وفي تعليق لافت، قال الصحفي مرزوق ياسين إن "السلطات المحلية باعت القلعة وأجّرت أرصفة المشاة والشوارع"، في تعبير ساخر يعكس حجم الفوضى التي تشهدها المدينة.
وأوضح ياسين أن أرصفة المشاة تكاد تكون معدومة في معظم شوارع تعز، وإن وجدت في بعض المواقع فإن عرضها لا يتجاوز متراً واحداً، ما يجعلها غير صالحة للاستخدام من قبل المشاة.
وأضاف أن مديرية المظفر نفذت قبل أسابيع حملة لإزالة العشوائيات بتكلفة تجاوزت 30 مليون ريال، غير أن الحملة انتهت – بحسب قوله – بإبرام عقود إيجار مع مقاولين وبأسعار وصفها بالمتدنية ومن دون دراسة كافية، الأمر الذي أدى إلى عودة الفوضى والعشوائيات إلى الشوارع بشكل أكبر.
ويرى ناشطون أن هذه الإجراءات حولت الأرصفة والمرافق العامة إلى مصادر دخل غير منظمة، بينما بقي المواطن هو المتضرر الأكبر من الفوضى والازدحام وتراجع الخدمات.
مصير إيرادات عدن
وفي سياق متصل، أثار الصحفي فتحي بن لزرق تساؤلات بشأن مصير الإيرادات التي كانت تُجمع سابقاً في عدن، والتي قُدّرت بنحو 30 مليار ريال شهرياً. وقال بن لزرق إن أكثر سؤال وُجه إليه خلال الأيام الماضية يتعلق بمصير هذه الأموال، متسائلاً عن الجهة التي تذهب إليها حالياً بعد التغيرات السياسية والإدارية الأخيرة.
وأشار إلى أن تحسناً نسبياً طرأ على بعض الخدمات في المدينة، لكنه يعود – بحسب قوله – إلى الدعم السعودي المباشر، موضحاً أن الكهرباء تعمل منذ نحو شهرين بتمويل سعودي، كما تُصرف رواتب القوات الأمنية والعسكرية والموظفين بدعم سعودي أيضاً.
وأضاف متسائلاً: "فلوس عدن فين؟ إذا كان الانتقالي ينهب الجزء الأكبر منها سابقاً فما هو العذر الآن؟".
وأوضح أن الإيرادات التي كانت تُجمع في عدن كانت تُقدّر بنحو ثلاثين مليار ريال شهرياً، موزعة تقريباً إلى ثلاثة أجزاء؛ عشرة مليارات كانت تُصرفها الحكومة وتوقفت منذ يناير 2026، وعشرة مليارات تقريباً من إيرادات النفط والوقود، إضافة إلى عشرة مليارات أخرى من إيرادات ميناء عدن والنقاط العسكرية المنتشرة في المحافظات.
كما أشار إلى أن الجبايات ما تزال تُفرض حتى اليوم، داعياً الجهات التي تدير هذه الموارد حالياً إلى توضيح مصيرها للرأي العام.
ويؤكد مراقبون أن استمرار الجبايات غير القانونية، رغم القرارات الرسمية المتكررة بوقفها، يعكس أزمة ثقة متنامية بين المواطنين والسلطات، خصوصاً في ظل الغموض الذي يحيط بمصير بعض الإيرادات العامة.
ويحذر اقتصاديون من أن استمرار هذه الممارسات لا يثقل كاهل المواطنين فحسب، بل يضر أيضاً بحركة التجارة والنقل ويضعف الإيرادات الرسمية للدولة، إذ تذهب الكثير من الأموال إلى قنوات غير واضحة بدلاً من دخولها الخزينة العامة.
وفي ظل هذه المعطيات، تتزايد الدعوات لتفعيل أجهزة الرقابة والمحاسبة، وتوحيد الإيرادات العامة، وإزالة النقاط غير القانونية، باعتبار ذلك خطوة أساسية نحو استعادة مؤسسات الدولة وتعزيز الشفافية في إدارة الموارد.
>
