مصر تقترح "ميثاق شرف إعلامي عربي" لاحتواء التراشق بين الشعوب
السياسية - منذ 3 ساعات و 37 دقيقة
القاهرة، نيوزيمن:
في ظل تصاعد الاستقطاب الإعلامي في العالم العربي، وتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات مفتوحة للتجاذبات السياسية، تتزايد المخاوف من انعكاس هذه التوترات على العلاقات بين الشعوب العربية، خصوصًا في أوقات الأزمات الإقليمية. ومع اتساع رقعة السجالات الرقمية بين مستخدمين وإعلاميين من دول مختلفة، برزت الحاجة إلى أطر تنظيمية تضبط الخطاب الإعلامي وتحمي الحد الأدنى من التماسك العربي.
وفي هذا السياق، تقدمت مصر بمبادرة رسمية لإقرار "ميثاق شرف إعلامي عربي"، يهدف إلى مواجهة ما تصفه بـ"فوضى الشائعات" وحملات الإساءة المتبادلة، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وأعلن وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان عن طلب بلاده عقد اجتماع طارئ لـمجلس وزراء الإعلام العرب، لمناقشة الميثاق إلى جانب إعداد خطة استراتيجية إعلامية عربية موحدة للتعامل مع الأزمات.
وجاء الإعلان خلال مؤتمر صحفي أعقب اجتماع الحكومة برئاسة مصطفى مدبولي، حيث أوضح رشوان أن المبادرة تتضمن مقترحين رئيسيين: الأول إعداد استراتيجية إعلامية مشتركة تعزز التنسيق بين الدول العربية في أوقات الأزمات، والثاني إقرار ميثاق ملزم يجرّم الإساءة للدول العربية أو شعوبها، ويضع ضوابط واضحة للخطاب الإعلامي في الفضاء الرقمي.
وأكد الوزير المصري أن ما يجري تداوله عبر بعض المنصات الرقمية من إساءات متبادلة "مرفوض تمامًا"، مشددًا على أن العلاقات بين الدول العربية يجب أن تقوم على الاحترام المتبادل، لا على التراشق أو تأجيج الخلافات. كما انتقد الدور الذي تلعبه بعض حسابات التواصل الاجتماعي في "إثارة الفتن" بين الشعوب، في إشارة إلى السجالات التي تصاعدت مؤخرًا بين مصريين وخليجيين.
وتأتي هذه التحركات في أعقاب موجة غير مسبوقة من التوترات الإعلامية، اندلعت على خلفية المواقف المتباينة من الحرب الأميركية–الإسرائيلية–الإيرانية، حيث شهدت منصات "إكس" و"فيسبوك" و"إنستغرام" تبادل اتهامات حادة، وصلت في بعض الأحيان إلى الإساءة المباشرة والتشكيك في المواقف السياسية والوطنية.
وبحسب مراقبين، فإن هذه السجالات كشفت هشاشة الخطاب الإعلامي العربي في الفضاء الرقمي، وغياب التنسيق بين المؤسسات الإعلامية، ما سمح بانتشار روايات متضاربة ومعلومات غير دقيقة، ساهمت في تعميق الانقسام بين الجمهور العربي.
وفي محاولة لاحتواء هذه الظاهرة، أشار رشوان إلى أن بلاده ستنسق مع اتحاد الصحفيين العرب، إلى جانب المؤسسات الإعلامية الرسمية والخاصة، لضمان تطبيق الميثاق المقترح، وتعزيز الالتزام المهني والأخلاقي في تناول القضايا الإقليمية.
ورغم أن المبادرة تحظى بدعم من بعض الأوساط التي ترى فيها خطوة ضرورية لضبط "الفوضى الإعلامية"، إلا أن آراء أخرى عبّرت عن تحفظها، معتبرة أن الميثاق قد يواجه صعوبات كبيرة في التطبيق، خاصة في ظل الطبيعة العابرة للحدود لمنصات التواصل، وعدم خضوعها لسلطات وطنية مباشرة.
كما يثير المقترح تساؤلات حول مدى إمكانية إلزام الدول العربية بتطبيقه، في ظل اختلاف التشريعات الإعلامية، وتمسك كل دولة بسيادتها على فضائها الإعلامي، ما يجعل أي تنسيق عربي مشترك أقرب إلى الطابع الاختياري.
ويستحضر هذا الجدل تجارب سابقة لـجامعة الدول العربية، حيث أصدر مجلس وزراء الإعلام العرب على مدار سنوات عدة استراتيجيات ومواثيق إعلامية، شملت تنظيم الإعلام الرقمي، والتعامل مع شركات التواصل، وتعزيز التربية الإعلامية، إلا أن معظمها لم يُترجم إلى إجراءات عملية ملموسة.
ويرى محللون أن المشكلة لا تكمن في غياب الرؤى أو المبادرات، بل في ضعف آليات التنفيذ والمتابعة، وغياب أدوات الإلزام، ما يجعل كثيرًا من هذه القرارات "حبرًا على ورق". ويؤكدون أن نجاح المبادرة المصرية يتوقف على تبني خطوات عملية، مثل إنشاء لجان متابعة دائمة، وتنسيق قانوني مع المنصات العالمية، وتخصيص موارد مالية لدعم تنفيذ الميثاق.
وفي ظل هذه التحديات، تبقى المبادرة اختبارًا جديدًا لقدرة العمل العربي المشترك على الانتقال من مرحلة البيانات إلى مرحلة الفعل، خاصة في ملف حساس مثل الإعلام، الذي بات يلعب دورًا محوريًا في تشكيل الرأي العام والتأثير على العلاقات بين الدول والشعوب.
>
