النفوذ التركي في ليبيا.. سلاح وسياسة على حساب الدولة

العالم - منذ ساعتان و دقيقتان
ليبيا، نيوزيمن، ترجمة:

في وقت تتزايد فيه تعقيدات المشهد الليبي، يتعمق الانقسام بين شرق البلاد وغربها، ليس فقط على المستوى السياسي، بل في نمط إدارة الموارد وبناء النفوذ. وبينما تمضي قوى إقليمية في تعزيز حضورها العسكري على الأرض، تتجه أطراف محلية إلى توظيف عائدات النفط في مشاريع إعادة الإعمار، ما يطرح تساؤلات حول مستقبل التوازنات في البلاد وتأثيراتها على أمن الطاقة والهجرة في منطقة البحر المتوسط.

وكشف تحليل نشره منتدى الشرق الأوسط أن تركيا تمضي في ترسيخ حضورها العسكري في غرب ليبيا ضمن استراتيجية بعيدة المدى، مقابل توجه مختلف في الشرق يعتمد على استثمار عائدات النفط في البنية التحتية وتحقيق قدر من الاستقرار الاقتصادي.

وأوضح التحليل، الذي أعده الخبير الاستراتيجي والعسكري خوسيه ليف ألفاريز غوميز، أن قرار البرلمان التركي أواخر عام 2025 بتمديد مهمة القوات المسلحة في ليبيا لعامين إضافيين يعكس نية أنقرة البقاء طويلًا إلى جانب حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، ما يرفع مدة الانتشار العسكري إلى نحو سبع سنوات منذ بدء التعاون العسكري بين الطرفين عام 2019.

وأشار التقرير إلى أن هذا التعاون شمل تزويد قوات غرب ليبيا بطائرات بيرقدار TB2 المسيّرة، التي كان لها دور محوري في تغيير موازين القوى خلال معارك 2020، حيث أوقفت تقدم قوات الجيش الوطني الليبي المتمركزة في بنغازي، ما عزز بقاء حكومة طرابلس ورسّخ الوجود التركي على الساحل الجنوبي للمتوسط.

استراتيجية تتجاوز ليبيا

وبحسب التحليل، فإن التحرك التركي لا ينفصل عن أهداف أوسع تتعلق بالسيطرة على ممرات الطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسط، خاصة بعد اتفاقيات ترسيم الحدود البحرية مع طرابلس عام 2019، والتي منحت أنقرة مطالبات واسعة بمناطق اقتصادية متداخلة مع مصالح دول مثل اليونان وقبرص ومصر.

كما يمنح الوجود التركي في الموانئ الليبية الغربية الرئيس رجب طيب أردوغان نفوذًا إضافيًا في ملف الهجرة غير الشرعية، حيث يشير التحليل إلى ارتباط وتيرة تدفق المهاجرين نحو إيطاليا بمستوى التوتر في العلاقات بين أنقرة والدول الأوروبية.

في المقابل، يبرز شرق ليبيا كمسار مختلف، إذ تسيطر سلطاته على معظم حقول النفط وموانئ التصدير، مع تسجيل إنتاج بلغ نحو 1.37 مليون برميل يوميًا حتى عام 2025، وهو أعلى مستوى منذ سنوات.

ويؤكد التحليل أن عائدات النفط تُستخدم في تمويل مشاريع إعادة الإعمار، من بينها مشروع تطوير مطار بنينا الدولي في بنغازي، والذي يُتوقع أن يصبح أحد أكبر المطارات في شمال أفريقيا بطاقة استيعابية تصل إلى 15 مليون مسافر سنويًا، إضافة إلى مشاريع تحديث أنظمة الملاحة الجوية في عدد من المطارات.

كما أشار إلى دور شركة أركينو النفطية في تصدير ملايين البراميل خلال عام 2024، مع توجيه العائدات إلى مشاريع خدمية وبنية تحتية، في وقت لا تزال فيه مناطق غرب ليبيا تعاني من تدهور البنية التحتية، بما في ذلك استمرار تعثر تشغيل مطار طرابلس الدولي.

اتهامات بتغذية الصراع

واتهم التقرير أنقرة بمواصلة تسليح وتدريب فصائل مسلحة في غرب ليبيا، بعضها مرتبط بشبكات إسلامية، من بينها جماعات على صلة بـ جماعة الإخوان المسلمين، معتبرًا أن هذا الدعم يُسهم في إطالة أمد الصراع وتعزيز نفوذ تلك الفصائل.

كما لفت إلى أن ليبيا أصبحت سوقًا وميدان اختبار للصناعات الدفاعية التركية، حيث سجلت صادرات الطائرات المسيّرة من طراز "بيرقدار TB2" نحو 1.8 مليار دولار في عام 2024، ما يعزز موقع أنقرة داخل حلف شمال الأطلسي، لكنه يثير في المقابل مخاوف بشأن استقرار الجناح الجنوبي للحلف.

ويرى التحليل أن تداعيات الصراع الليبي تتجاوز حدود البلاد، خاصة بالنسبة لأوروبا التي تبحث عن بدائل للطاقة بعيدًا عن مناطق التوتر مثل مضيق هرمز وباب المندب، حيث يمثل النفط الليبي خيارًا استراتيجيًا مهمًا.

وخلص التقرير إلى أن استمرار الدعم الدولي لحكومة طرابلس، مقابل تجاهل نموذج الشرق القائم على حماية منشآت النفط وتوظيف عائداته في التنمية، قد يكرّس الانقسام، داعيًا إلى إعادة تقييم السياسات الدولية بما يحقق توازنًا بين الاستقرار والتنمية ويحد من التدخلات الخارجية في ليبيا.