مزاد إسرائيلي يروج لاقتناء الآثار.. واليمن يخسر ذاكرته قطعة بعد أخرى

السياسية - منذ ساعتان و 11 دقيقة
عدن، نيوزيمن، خاص:

في الوقت الذي تغرق فيه اليمن في أزماتها السياسية والإنسانية الممتدة، تتواصل معركة أخرى أقل ظهوراً لكنها لا تقل خطورة، تتمثل في نزيف الآثار وتهريب الإرث الحضاري لواحدة من أقدم الحضارات في العالم. 

ومع اتساع شبكات الاتجار بالقطع الأثرية في الأسواق الدولية، يجد اليمن نفسه أمام خسارة متواصلة لذاكرته التاريخية، في ظل ضعف الحماية القانونية والانهيار المؤسسي الذي رافق سنوات الحرب.

وأثار الباحث اليمني المتخصص في تتبع الآثار المهربة عبدالله محسن جدلاً واسعاً بعد نشره تعليقاً كشف فيه عن بيان صادر عن مزاد أثري إسرائيلي يدعو جامعي التحف إلى الإسراع في اقتناء الآثار قبل أن تختفي من الأسواق وتصبح مقتصرة على المتاحف.

وقال محسن، في منشور عبر صفحته على فيسبوك، إن "المركز الأثري" التابع لعالم الآثار الإسرائيلي روبرت دويتش نشر بياناً وصف فيه اقتناء الآثار بأنه "فرصة قد لا تتكرر"، معتبراً أن "كل متعة جمع الآثار ستختفي" مع تراجع عدد القطع المتداولة في الأسواق.

وبحسب الترجمة التي أوردها الباحث اليمني، قال المزاد إن الآثار المتاحة للبيع تتناقص يوماً بعد آخر، في وقت يزداد فيه عدد جامعي المقتنيات، مشيراً إلى أن بعض المجموعات الخاصة تعود إلى السوق بين حين وآخر، بينما تُنقل مجموعات أخرى إلى المتاحف، ما يؤدي إلى خروجها من التداول التجاري.

وأضاف البيان: "لن يطول الوقت قبل أن يصبح بالإمكان رؤية الآثار فقط في المتاحف"، داعياً جامعي التحف إلى "تحدي قوانين الطبيعة، باقتناء التاريخ والحفاظ على التحف في مجموعاتهم الخاصة".

ورأى متابعون أن لغة البيان تعكس طبيعة السوق الدولية للآثار، التي تقوم على التنافس المحموم لاقتناء القطع النادرة، حتى في الحالات التي تكون فيها أصول تلك القطع موضع جدل قانوني أو أخلاقي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بآثار دول تعيش نزاعات وحروباً مثل اليمن.

وأشار عبدالله محسن إلى أن المزاد الإسرائيلي يُعرف بعرض مجموعات أثرية ضخمة من الشرق الأوسط، من أبرزها مجموعة شلومو موساييف، التي تُعد واحدة من أكبر مجموعات الآثار الخاصة في العالم، وتضم أكثر من 60 ألف قطعة أثرية.

وأوضح أن العديد من المتاحف العالمية اقتنت قطعاً أثرية عُرضت عبر المزاد، من بينها قلادة ذهبية نادرة على شكل رأس ثور، بيعت لمجموعة الصباح في الكويت وتُعرض حالياً في دار الآثار الإسلامية.

وفي سياق متصل، أعاد الباحث اليمني التذكير بموقفه السابق الرافض لبيع مجموعة من آثار اليمن في المزاد ذاته، مشيراً إلى أن السفير اليمني الدكتور محمد جميح كان قد خاطب أمانة اتفاقية 1970 التابعة لمنظمة اليونسكو بشأن المزاد الذي أقيم في أبريل/نيسان 2024.

وبحسب محسن، دعت اليونسكو حينها روبرت دويتش إلى تقديم وثائق تثبت قانونية ملكية القطع المعروضة للبيع، كما أوصت بتعليق البيع مؤقتاً إلى حين مراجعة الوثائق المقدمة.

إلا أن الرد الذي تلقته المنظمة الأممية، وفقاً للباحث اليمني، تضمن تأكيدات من دويتش بأن القطع جُمعت بصورة قانونية تحت إشراف سلطة الآثار الإسرائيلية، إلى جانب ادعاءات بأن بعض الآثار اليمنية جرى اكتشافها خلال عمليات تنقيب خارج اليمن.

كما طالب المزاد الجانب اليمني بتقديم أدلة ووثائق تثبت أن القطع المعروضة خرجت من البلاد بطرق غير قانونية خلال السنوات الأخيرة، وهي النقطة التي وصفها محسن بأنها محاولة لنقل عبء الإثبات إلى اليمن، رغم الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد منذ اندلاع الحرب.

وأكد الباحث اليمني أن الرد على تلك الادعاءات تم بصورة قانونية، لكن دون الوصول إلى نتائج ملموسة توقف تداول الآثار اليمنية في الأسواق الدولية.

وتشهد الآثار اليمنية منذ سنوات عمليات تهريب وبيع متكررة في مزادات عالمية، مستفيدة من حالة الانقسام السياسي والانهيار الأمني وضعف مؤسسات الدولة، وهو ما أدى إلى خروج أعداد كبيرة من القطع الأثرية من البلاد بطرق غير مشروعة، وفقاً لتقارير وباحثين مختصين.

ويرى مختصون أن تجارة الآثار خلال النزاعات المسلحة غالباً ما تتحول إلى واحدة من أكثر الأسواق ربحاً، حيث تستغل شبكات التهريب حالة الفوضى لنهب المواقع الأثرية وبيع القطع النادرة عبر وسطاء وصالات مزادات دولية.

وفي اليمن، تعرضت مواقع أثرية ومتاحف عدة خلال سنوات الحرب للنهب والتدمير، فيما ظهرت عشرات القطع اليمنية في مزادات عالمية ومجموعات خاصة خارج البلاد، الأمر الذي أثار انتقادات متكررة لعجز السلطات اليمنية عن استعادة التراث المنهوب.

وفي ختام منشوره، دعا عبدالله محسن إلى تحرك حكومي أكثر فاعلية لحماية آثار اليمن، مطالباً بتفعيل دور قطاع قضايا الدولة في وزارة الشؤون القانونية، وتعزيز التنسيق مع المنظمات الدولية والجهات القانونية المختصة، إلى جانب توحيد الجهود الرسمية والمجتمعية لمواجهة عمليات التهريب والتداول غير المشروع للتراث اليمني.

ويحذر مهتمون بالتراث من أن استمرار تهريب الآثار اليمنية لا يعني فقط خسارة مقتنيات تاريخية نادرة، بل يمثل أيضاً فقداناً تدريجياً لذاكرة حضارية تمتد لآلاف السنين، في بلد يُعد من أهم المراكز التاريخية للحضارات القديمة في شبه الجزيرة العربية.