الموت جوعاً يلاحق نازحي اليمن وسط انهيار إنساني وتوقف المساعدات
السياسية - منذ ساعتان و 10 دقائق
صنعاء، نيوزيمن:
في خيمة مهترئة لا تقي حرّ الصيف ولا برد الليل، كان المسن اليمني عبدالله عبده مستباني، المعروف بين النازحين بـ"أبو هاشم"، يصارع الجوع بصمت داخل أحد مخيمات النزوح في مديرية عبس بمحافظة حجة شمال غربي اليمن.
جسده النحيل الذي تحول إلى هيكل بشري لم يكن بحاجة إلى تشخيص طبي بقدر حاجته إلى لقمة طعام وجرعة دواء، غير أن نداءات الاستغاثة التي أطلقها ناشطون لإنقاذه جاءت متأخرة، لينتهي به الحال ضحية جديدة للمجاعة التي تضرب مخيمات النازحين في البلاد.
ولم تكن وفاة "أبو هاشم" المأساة الوحيدة، إذ أفادت مصادر محلية وصحفيون، الجمعة، بوفاة طفل داخل المخيمات ذاتها نتيجة سوء التغذية الحاد ونقص الرعاية الصحية، في مشهد يعكس حجم الانهيار الإنساني المتفاقم في مناطق سيطرة جماعة الحوثيين، وسط تراجع غير مسبوق للمساعدات الدولية.
وقالت المصادر إن مخيمات النزوح في مديرية عبس تعيش أوضاعاً كارثية مع انعدام الغذاء وغياب الخدمات الطبية الأساسية، بينما تواجه آلاف الأسر خطر المجاعة بعد توقف أو تقليص برامج الإغاثة الإنسانية التي كانت تمثل شريان الحياة الوحيد للنازحين.
وأضافت أن كثيراً من العائلات باتت تعتمد على وجبة واحدة في اليوم، في حين يعجز آخرون عن توفير أي طعام لأطفالهم، وسط ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد بين النساء والأطفال وكبار السن.
ويأتي ذلك في وقت يشهد فيه القطاع الإغاثي في اليمن شللاً واسعاً، نتيجة القيود الأمنية والإدارية التي فرضتها جماعة الحوثيين على المنظمات الدولية والأممية العاملة في مناطق سيطرتها.
وخلال الأشهر الماضية، علّقت منظمات إنسانية عدة برامجها أو خفضت عملياتها بشكل كبير، عقب حملة اعتقالات نفذتها الجماعة بحق موظفين محليين ودوليين تابعين للأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية، الأمر الذي فاقم الأزمة الإنسانية وحرم آلاف الأسر من المساعدات الغذائية المنقذة للحياة.
ويرى مراقبون أن توقف جزء كبير من المساعدات الدولية في مناطق الحوثيين دفع بالأوضاع الإنسانية إلى مستويات أكثر خطورة، خصوصاً في مخيمات النزوح التي تعتمد بشكل شبه كامل على الدعم الإغاثي.
وفي السياق، كشف تقرير حديث صادر عن برنامج الغذاء العالمي عن استمرار تفشي الجوع الحاد بين النازحين داخلياً في اليمن، مع تسجيل مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي خلال الربع الأول من عام 2026.
وبحسب التقرير، فإن نحو 39% من النازحين الذين شملهم الاستطلاع عانوا من جوع يتراوح بين المتوسط والشديد خلال مارس/آذار الماضي، وهي نسبة تعادل ضعف المعدل المسجل بين عموم السكان البالغ 19%.
وأشار التقرير إلى أن الأزمة تبدو أكثر حدة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، حيث بلغت نسبة المتضررين من انعدام الأمن الغذائي 41%، مقارنة بـ35% في المناطق الواقعة تحت نفوذ الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً.
وأوضح البرنامج الأممي أن النازحين المقيمين داخل المخيمات هم الأكثر تضرراً، إذ وصلت نسبة من يعانون من حرمان غذائي شديد إلى 50%، مقابل 34% بين النازحين المقيمين داخل المجتمعات المضيفة.
كما كشف التقرير أن 17% من الأسر النازحة أفادت بأن أحد أفرادها اضطر لقضاء يوم كامل دون تناول أي طعام، بينما ارتفعت النسبة داخل المخيمات إلى 23%، في مؤشر خطير على اتساع رقعة المجاعة وتدهور الظروف المعيشية.
ويحذر عاملون في المجال الإنساني من أن استمرار تعطل برامج الإغاثة وتراجع التمويل الدولي قد يؤدي إلى ارتفاع أعداد الوفيات الناتجة عن الجوع وسوء التغذية، خصوصاً بين الأطفال وكبار السن، في بلد يصنف منذ سنوات ضمن أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
وبين خيام النزوح المترامية في حجة، لا تبدو وفاة "أبو هاشم" والطفل الذي قضى جوعاً سوى جرس إنذار جديد يسلط الضوء على معاناة آلاف اليمنيين الذين يواجهون الموت البطيء بعيداً عن اهتمام العالم.
>
