وفيات غامضة لـ20 عالم آثار في صنعاء وسط نهب متواصل للتراث
السياسية - منذ 5 ساعات و 54 دقيقة
عدن، نيوزيمن:
أعاد الباحث المتخصص في تتبع الآثار اليمنية المنهوبة عبدالله محسن فتح واحد من أكثر الملفات حساسية وإثارة للجدل، عبر تساؤلات حول تزايد حالات الوفاة بين علماء الآثار اليمنيين، بالتوازي مع استمرار تدفق القطع الأثرية اليمنية إلى مزادات البيع العالمية دون رقابة فاعلة.
ويشير محسن، في منشور على صفحته في فيسبوك، إلى وفاة أكثر من 20 عالماً في مجال الآثار من جامعة صنعاء خلال السنوات الأخيرة، في سلسلة وفيات أثارت تساؤلات واسعة حول طبيعة الظروف المهنية والصحية التي يعمل فيها الباحثون، في بيئة تفتقر –بحسب وصفه– إلى أبسط مقومات السلامة المهنية.
وتتعدد التفسيرات العلمية المحتملة لهذه الظاهرة، حيث نُقل عن الدكتور خالد العنسي أن العمل داخل المقابر المغلقة منذ آلاف السنين قد يعرض الباحثين لمخاطر بيولوجية وكيميائية معقدة، تشمل فطريات سامة وبكتيريا خاملة في الغبار المتراكم، إلى جانب مواد تحنيط قد تسبب أضراراً جسيمة للجهاز التنفسي في حال استنشاقها. كما أشار إلى خطورة المخطوطات القديمة التي قد تحتوي أحبارها على معادن ثقيلة مثل الزرنيخ والزئبق والرصاص، بما يشكل تهديداً صحياً طويل الأمد للعاملين عليها.
وكانت الأكاديمية عميدة شعلان قد أثارت مراراً خلال السنوات الماضية قضية وفيات علماء الآثار، ووصفتها في إحدى قراءاتها بـ"لعنة ملوك اليمن"، في توصيف يعكس حالة القلق المتصاعد من تكرار هذه الحالات دون تفسير علمي أو إجراءات وقائية واضحة.
لكن محسن يتبنى قراءة مختلفة وأكثر نقداً، إذ يرى أن ما يُوصف بـ"اللعنة" ليس سوى انعكاس مباشر لغياب المنظومة المؤسسية الحامية للباحثين، بدءاً من انعدام التأمين الصحي والفحوصات الدورية، وصولاً إلى نقص معدات الحماية الشخصية ووسائل التعامل الآمن مع المومياوات والمواد العضوية والمخطوطات الحساسة. وهو ما يحوّل العمل الأثري –وفق رؤيته– من مهمة علمية إلى بيئة عالية المخاطر تُدار دون معايير سلامة مهنية.
وفي موازاة هذا المشهد الداخلي المأزوم، يسلط محسن الضوء على ما يسميه "النزيف الأثري" المستمر، مع تصاعد عرض القطع اليمنية النادرة في المزادات الدولية، في ظل ضعف الرقابة المحلية وتعقيدات الحرب وتدهور مؤسسات الدولة.
ويشير إلى أن هذا العام شهد ما يشبه "الخريف الثقافي"، مع بروز مزادات عالمية تعرض قطعاً يمنية بالغة الندرة، من بينها مزاد أبولو آرت أوكشنز في لندن، المقرر في 21 يونيو، والذي يتضمن سبع قطع أثرية يمنية ضمن مجموعة فنية توصف بالنادرة، ما يعيد طرح أسئلة قديمة جديدة حول مسارات تهريب الآثار اليمنية وغياب جهود الاسترداد الفعالة.
وتكشف هذه التطورات عن مفارقة لافتة، ففي الوقت الذي يواجه فيه علماء الآثار مخاطر صحية ومهنية قد تهدد حياتهم داخل مواقع التنقيب والمتاحف، تتعرض آثار البلاد ذاتها لخطر موازٍ يتمثل في خروجها من سياقها التاريخي وتحولها إلى سلع في أسواق الفن العالمية.
ويرى مراقبون أن استمرار هذا الوضع يعكس تداخل عاملين رئيسيين؛ أولهما ضعف البنية المؤسسية لحماية التراث الثقافي داخل اليمن، وثانيهما اتساع شبكات الاتجار غير المشروع بالآثار في ظل الحرب والانقسام السياسي، ما يجعل من ملف الآثار اليمنية واحداً من أكثر الملفات هشاشة وتعقيداً في الوقت الراهن.
وفي ظل غياب حلول جذرية، يبقى التحذير الأبرز الذي يطرحه محسن هو أن خسارة اليمن لا تقتصر على خروج القطع الأثرية من البلاد، بل تمتد إلى فقدان الخبرات العلمية التي يفترض أن تحمي هذا الإرث وتعيد قراءته، في دائرة خسارة مزدوجة تطال الإنسان والذاكرة معاً.
>
