السودان.. الملاذ الأخير لتنظيم الإخوان في المنطقة
السياسية - منذ 4 ساعات و 59 دقيقة
الخرطوم، نيوزيمن، خاص:
بينما تراجع نفوذ تنظيم الإخوان المسلمين في عدد من الدول العربية خلال السنوات الأخيرة، إثر حظره أو تصنيفه تنظيماً إرهابياً في بعض الدول وانحسار حضوره السياسي في أخرى، برز السودان بوصفه الساحة الأكثر أهمية لبقاء التنظيم واستمرار تأثيره داخل مؤسسات الدولة، مستفيداً من تعقيدات الحرب الدائرة منذ أبريل 2023 وما أفرزته من تحالفات عسكرية وأمنية أعادت الجماعة إلى واجهة المشهد.
ففي الوقت الذي انطفأ فيه نفوذ الجماعة في مصر وتراجع بشكل كبير في تونس، وتعرضت لحملات تضييق وملاحقة في عدد من الدول العربية، تمكنت الحركة الإسلامية السودانية من الحفاظ على وجودها داخل مراكز القرار عبر شبكة واسعة من القيادات العسكرية والأمنية والاقتصادية والكتائب المسلحة، ما جعل السودان يوصف بأنه الملاذ الأخير للتنظيم في المنطقة.
ويرى مراقبون أن الحرب السودانية لم تعد مجرد صراع بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل تحولت إلى ساحة أعادت رسم خريطة النفوذ داخل الدولة، حيث نجحت قيادات محسوبة على الحركة الإسلامية في استعادة مواقعها بعد سنوات من التراجع الذي أعقب سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير عام 2019.
شبكة نفوذ داخل المؤسسة العسكرية
ويتصدر المشهد قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الذي تنفي قيادته أي ارتباط تنظيمي بالحركة الإسلامية، غير أن سلسلة من القرارات التي اتخذها خلال الأعوام الماضية أعادت شخصيات وقيادات مرتبطة بالنظام السابق إلى واجهة الحياة السياسية والأمنية.
ومن أبرز تلك الخطوات حل لجنة تفكيك نظام الإنقاذ التي كانت مكلفة بإزالة نفوذ نظام البشير داخل مؤسسات الدولة، إضافة إلى الإفراج عن عدد من قيادات الحركة الإسلامية، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشراً على عودة نفوذ الجماعة داخل مؤسسات الحكم.
كما شهدت الفترة الماضية تنامياً ملحوظاً لدور الكتائب الإسلامية المقاتلة إلى جانب الجيش السوداني في عدد من جبهات القتال، الأمر الذي أقر به مسؤولون عسكريون سودانيون، بينهم الفريق أول ركن ياسر العطا الذي تحدث علناً عن مشاركة هذه التشكيلات في العمليات العسكرية.
ويبرز كذلك اسم الفريق أول ميرغني إدريس، مدير منظومة الصناعات الدفاعية، الذي فرضت عليه وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على خلفية اتهامات مرتبطة بصفقات تسليح ودعم للقدرات العسكرية خلال الحرب الدائرة في البلاد.
ولا يقتصر الحضور الإسلامي على المؤسسة العسكرية فقط، بل يمتد إلى الأجهزة الأمنية والاستخباراتية التي شهدت، بحسب مراقبين، عملية إعادة هيكلة أتاحت عودة عناصر مرتبطة بالنظام السابق إلى مواقع مؤثرة.
ويبرز في هذا السياق مدير جهاز المخابرات العامة أحمد إبراهيم مفضل، الذي يتولى إدارة ملفات أمنية حساسة في ظل اتهامات بإعادة تنشيط هياكل أمنية مرتبطة بما كان يعرف بالأمن الشعبي، أحد أبرز أذرع الحركة الإسلامية خلال فترة حكم البشير.
كما يتصدر المشهد الأمني الفريق أمن محمد عباس اللبيب، نائب مدير جهاز المخابرات العامة، الذي تشير تقارير إلى إشرافه على تحركات وتنسيق عمل الكتائب الإسلامية المشاركة في القتال، بالتعاون مع وحدات وهيئة العمليات التي استعادت حضورها خلال سنوات الحرب.
وفي خلفية هذا المشهد، تواصل شخصيات بارزة في الحركة الإسلامية السودانية، من بينها علي عثمان محمد طه وعلي كرتي وأحمد هارون، ممارسة نفوذها السياسي والتنظيمي عبر شبكات واسعة داخل مؤسسات الدولة والجيش والأجهزة الأمنية والاقتصادية.
الكتائب المسلحة.. الذراع العسكرية للتنظيم
ومع اتساع رقعة الحرب، برزت مجموعة من التشكيلات المسلحة ذات الخلفية الإسلامية باعتبارها قوة ميدانية مؤثرة في المعارك.
ويأتي في مقدمة هذه التشكيلات لواء البراء بن مالك بقيادة المصباح أبو زيد طلحة، والذي أدرجته وزارة الخارجية الأمريكية على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية، متهمة عناصره بالتورط في أعمال عنف وانتهاكات خلال الحرب.
كما تنشط إلى جانبه تشكيلات أخرى مثل كتائب الظل والعمليات الخاصة وكتيبة البنيان المرصوص وكتيبة البرق الخاطف وكتيبة أسود العرين، التي تعمل بدرجات متفاوتة من التنسيق مع القوات النظامية في ساحات القتال المختلفة.
ويقول محللون إن هذه الكتائب تمثل اليوم أحد أهم أدوات الحركة الإسلامية للحفاظ على نفوذها العسكري والسياسي، فيما يشكل وجودها تحدياً إضافياً أمام أي جهود مستقبلية لإعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية على أسس مهنية بعيدة عن الولاءات الحزبية والتنظيمية.
وأعلنت الولايات المتحدة خلال الأشهر الماضية تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان "منظمة إرهابية عالمية مصنفة بشكل خاص"، في خطوة تعكس تنامي المخاوف الدولية من توسع نفوذ الجماعات الإسلامية داخل الصراع السوداني.
وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إن القرار جاء استناداً إلى اتهامات للجماعة بالتورط في أعمال عنف ضد المدنيين وعرقلة جهود السلام، فضلاً عن معلومات تشير إلى حصول بعض عناصرها على تدريبات ودعم لوجستي من جهات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.
كما أشارت واشنطن إلى مزاعم بشأن مشاركة عناصر مرتبطة بالجماعة في عمليات إعدام جماعية وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان خلال النزاع المستمر، وهو ما قد يفتح الباب أمام مسارات جديدة للمساءلة القانونية والعقوبات الدولية.
ويرى خبراء أن هذا التصنيف قد يتحول إلى أداة ضغط إضافية على الأطراف المرتبطة بالحركة الإسلامية داخل السودان، وقد يسهم في تحريك ملف المفاوضات المتعثرة، خصوصاً في ظل تزايد القلق الدولي من استمرار الحرب واتساع دائرة الفوضى والانهيار الإنساني.
معركة على مستقبل الدولة
ومع دخول الحرب عامها الرابع، تتجاوز الأزمة السودانية حدود الصراع العسكري التقليدي لتتحول إلى معركة على هوية الدولة ومستقبل مؤسساتها. ففي الوقت الذي يوفر فيه الجيش غطاءً سياسياً وعسكرياً للكتائب الإسلامية المشاركة في القتال، تقدم الحركة الإسلامية شبكات التعبئة والدعم والتمويل والمقاتلين، في معادلة يرى مراقبون أنها أسهمت في إطالة أمد الحرب وتعقيد فرص التوصل إلى تسوية سياسية شاملة.
وبينما تتواصل المعارك وتتسع الأزمات الإنسانية والاقتصادية، يبقى السودان أمام تحدٍ مصيري يتعلق بمستقبل الدولة ومؤسساتها، وسط مخاوف متزايدة من أن يؤدي استمرار نفوذ الجماعات الأيديولوجية المسلحة إلى تعقيد أي مسار للسلام وإعادة الاستقرار، ليظل المواطن السوداني الخاسر الأكبر من صراع تتشابك فيه الحسابات العسكرية والسياسية والتنظيمية.
وفي سياق الحديث عن تنامي نفوذ جماعة الإخوان المسلمين داخل المشهد السوداني، يرى الكاتب والمحلل السياسي السوداني عاطف عبدالله أن الأزمة التي تعيشها البلاد اليوم تعود في جانب كبير منها إلى ما وصفه بفشل القوى السياسية في تحديد الخصم الرئيسي الذي أعاق مسار التحول الديمقراطي منذ سقوط نظام عمر البشير.
ويؤكد عبدالله أن تنظيم الإخوان المسلمين نجح، عبر شبكات النفوذ الأمنية والاقتصادية والتنظيمية التي بناها خلال عقود، في إعادة ترتيب صفوفه واستعادة حضوره داخل مؤسسات الدولة، مستفيداً من حالة الانقسام التي ضربت القوى المدنية والثورية. وأضاف أن التنظيم تمكن من تحويل بوصلة الصراع من مواجهة مشروع التمكين والاستبداد إلى خلافات داخلية بين مكونات الثورة نفسها، الأمر الذي أتاح له التمدد مجدداً داخل مفاصل الدولة والجيش والأجهزة الأمنية.
وأشار إلى أن مواجهة هذا النفوذ لا يمكن أن تقتصر على الشعارات السياسية، بل تتطلب تفكيك البنية الاقتصادية والتنظيمية التي شكلت مصدر قوة الجماعة لعقود طويلة، إلى جانب إخضاع السلاح لسلطة الدولة ومؤسساتها الشرعية، بما يضمن عدم استمرار أي مراكز نفوذ موازية قادرة على التأثير في مستقبل البلاد.
وشدد الكاتب السوداني على أن نجاح أي مشروع وطني للخروج من الأزمة الحالية يرتبط بقدرة القوى المدنية على استعادة وحدتها وتجاوز خلافاتها، والتركيز على بناء مشروع ديمقراطي جامع يقوم على الحرية والعدالة وسيادة القانون، معتبراً أن السودان يقف اليوم أمام لحظة مفصلية تتطلب إعادة ترتيب الأولويات الوطنية لمنع إعادة إنتاج الأزمات التي قادت البلاد إلى الحرب والانقسام.
وختم عبدالله بالقول إن معركة السودانيين لا ينبغي أن تكون مع الأفكار أو الانتماءات السياسية بحد ذاتها، وإنما مع أي مشروع يسعى إلى احتكار الدولة ومصادرة مؤسساتها لصالح جماعة أو تنظيم، مؤكداً أن بناء السودان المستقر والديمقراطي لن يتحقق إلا عبر التوافق الوطني الواسع وإعلاء المصلحة الوطنية فوق الحسابات الحزبية والأيديولوجية الضيقة.
>
