الصلاحيات والإيرادات.. كيف تحولت إلى ساحة صراع بين الحكومة والمحافظات؟
الجنوب - منذ ساعة و 59 دقيقة
عدن، نيوزيمن، خاص:
لم يكن الخلاف الذي تفجر مؤخراً حول تعيين مدير مكتب مصلحة الضرائب في العاصمة عدن مجرد نزاع إداري عابر أو خلاف شخصي بين مسؤولين، بل بدا وكأنه أحدث فصول أزمة أعمق تتعلق بطبيعة السلطة في اليمن وحدود العلاقة بين الحكومة المركزية والسلطات المحلية.
فخلف قرار تعيين مدير مكتب ضرائب عدن، وما تبعه من رفض للتسليم، وأوامر قبض قهري، ووساطات سياسية، يبرز سؤال أكبر ظل يتردد طوال سنوات الحرب: من يملك القرار في المحافظات؟ الحكومة المركزية أم السلطات المحلية؟
هذا السؤال لم يعد نظرياً أو قانونياً فحسب، بل أصبح أحد أبرز التحديات التي تواجه مؤسسات الدولة في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، حيث تتداخل الصلاحيات وتتقاطع المصالح وتتنازع الجهات المختلفة على إدارة الموارد والنفوذ.
أزمة الضرائب.. رأس جبل الجليد
بدأت الأزمة بقرار أصدره رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع محسن الزنداني بتعيين محمد أحمد عبيد الفضلي مديراً عاماً لمكتب الضرائب في عدن، خلفاً لعبدالحكيم معاون، ضمن حزمة تغييرات في المؤسسات المالية والإيرادية.
لكن القرار اصطدم برفض من السلطة المحلية في عدن التي اعتبرت أن مكتب الضرائب يتبعها إدارياً، وأن تعيين قياداته يجب أن يتم بالتنسيق مع المحافظ، باعتباره المسؤول التنفيذي الأول في المحافظة.
ومع استمرار المدير السابق في رفض التسليم، انتقلت الأزمة من المكاتب الإدارية إلى أروقة القضاء، بعد صدور أمر قبض قهري بحقه قبل تعليقه لاحقاً بوساطة من محافظ عدن.
ورغم أن الخلاف يبدو في ظاهره متعلقاً بمنصب إداري، إلا أن جوهره يتمحور حول السيطرة على واحدة من أهم المؤسسات الإيرادية في المحافظة، بما تحمله من أبعاد مالية وسياسية تتجاوز حدود الوظيفة نفسها.
الحرب غيرت قواعد اللعبة
منذ اندلاع الحرب عام 2015، شهدت المحافظات الخاضعة للحكومة الشرعية تحولات واسعة في طبيعة الإدارة المحلية.
ففي ظل انهيار كثير من مؤسسات الدولة المركزية، وجدت السلطات المحلية نفسها مضطرة لملء الفراغ وإدارة شؤون المحافظات بصورة مباشرة، بما في ذلك إدارة الموارد والإيرادات واتخاذ قرارات كانت تاريخياً من اختصاص الوزارات المركزية.
ومع مرور السنوات، تشكل واقع جديد منح المحافظات نفوذاً أوسع من ذلك المنصوص عليه في قانون السلطة المحلية.
غير أن هذا الواقع الاستثنائي بدأ يصطدم تدريجياً بمحاولات الحكومات المتعاقبة استعادة دور الدولة المركزية وإعادة إخضاع المؤسسات الإيرادية والمالية لإشراف الوزارات المختصة. ومن هنا بدأت تظهر بوضوح صراعات النفوذ والصلاحيات.
حضرموت.. المعركة الأكبر على الثروة
تُعد حضرموت المثال الأبرز على الصراع بين المركز والمحليات. فالمحافظة التي تنتج الجزء الأكبر من النفط اليمني، ظلت خلال السنوات الماضية تطالب بحصة أكبر من عائدات الثروة النفطية والموارد السيادية.
وفي أكثر من مناسبة اندلعت خلافات بين السلطة المحلية والحكومة بشأن آليات توريد الإيرادات النفطية، ونسب المخصصات المحلية، وكيفية إدارة الموارد المتحصلة من الموانئ والقطاعات النفطية.
كما شهدت المحافظة سجالات متكررة حول صلاحيات التعيين في المؤسسات التنفيذية والمرافق الإيرادية، وسط مطالبات محلية بمنح المحافظة سلطات أوسع في إدارة مواردها بعيداً عن المركز.
مأرب.. نموذج الاستقلال المالي النسبي
في مأرب برز نموذج مختلف، فالمحافظة التي تحولت خلال الحرب إلى المركز الاقتصادي الأبرز للحكومة نجحت في بناء تجربة شبه مستقلة في إدارة الموارد المحلية، مستفيدة من الإيرادات النفطية والغازية.
لكن هذه التجربة لم تكن بعيدة عن التوتر مع الحكومة المركزية، خصوصاً في الملفات المرتبطة بتوريد الموارد السيادية وإدارة العائدات المالية.
وخلال السنوات الماضية ظهرت خلافات غير معلنة في أحيان كثيرة حول حجم الموارد التي ينبغي أن تورد إلى البنك المركزي، مقابل تلك التي تبقى تحت تصرف السلطة المحلية لتغطية النفقات التشغيلية والخدمية.
تعز.. صراع النفوذ داخل السلطة نفسها
أما في تعز، فقد اتخذت أزمة الصلاحيات شكلاً مختلفاً. فالمحافظة شهدت خلال السنوات الماضية خلافات متكررة حول التعيينات في المكاتب التنفيذية والمؤسسات الحكومية، فضلاً عن النزاعات المتعلقة بإدارة الموارد المحلية وعائدات المنافذ والنقاط الجمركية.
وفي أكثر من مناسبة برزت خلافات بين المحافظين المتعاقبين وبعض المؤسسات الحكومية حول حدود الصلاحيات في التعيين والإشراف وإدارة الإيرادات.
وهي خلافات كشفت بدورها غياب آلية واضحة لحسم التداخل بين صلاحيات المركز والمحليات.
عدن.. العاصمة التي تختصر الأزمة
تبدو عدن اليوم النموذج الأكثر تعبيراً عن هذه الإشكالية. فباعتبارها العاصمة المؤقتة ومقر الحكومة والوزارات، يفترض أن تكون نموذجاً للتكامل المؤسسي.
لكن الواقع يشير إلى أن المدينة شهدت خلال السنوات الأخيرة العديد من حالات التداخل في الاختصاصات بين الحكومة والسلطة المحلية، سواء في ملفات الخدمات أو الإيرادات أو التعيينات أو إدارة المؤسسات العامة.
وأصبحت كثير من القرارات الحكومية تواجه أسئلة تتعلق بمدى توافقها مع صلاحيات السلطة المحلية، في حين ترى الحكومة أن بعض المحافظات توسعت في تفسير صلاحياتها إلى حد تجاوز الأطر القانونية الناظمة لعمل الدولة.
مؤتمر الشراكة.. والواقع المختلف
المفارقة اللافتة أن أزمة ضرائب عدن اندلعت بعد أيام فقط من انعقاد المؤتمر الوطني للشراكة والتكامل بين الحكومة والسلطات المحلية.
ففي الوقت الذي تحدث فيه رئيس الوزراء الدكتور شائع الزنداني عن ضرورة بناء علاقة تكاملية بين المركز والمحليات، جاءت الأزمة لتؤكد أن الخلافات الجوهرية حول توزيع الصلاحيات ما تزال قائمة.
بل إن بعض المراقبين يرون أن ما جرى كشف فجوة حقيقية بين النصوص القانونية والواقع العملي الذي تشكل خلال سنوات الحرب.
فالدولة تتحدث عن اللامركزية، لكنها ما تزال تتمسك بمركزية القرار في ملفات عديدة. بينما ترى السلطات المحلية أنها تحملت أعباء إدارة المحافظات في أصعب الظروف، وبالتالي لا يمكن تجاوزها في القرارات المتعلقة بالمؤسسات العاملة داخل نطاقها.
أزمة بنيوية لا حادثة معزولة
يرى خبراء في الإدارة العامة أن ما يحدث اليوم ليس أزمة أفراد أو خلافاً حول منصب، بل نتيجة طبيعية لغياب مشروع واضح لإعادة بناء الدولة بعد الحرب.
فحتى الآن لا توجد رؤية متفق عليها تحدد بدقة شكل العلاقة بين الحكومة المركزية والسلطات المحلية، ولا حدود الصلاحيات المالية والإدارية لكل طرف.
كما أن كثيراً من النصوص القانونية الحالية وُضعت في ظروف مختلفة تماماً عن الواقع الذي أفرزته الحرب، ما جعلها عاجزة عن استيعاب التحولات التي شهدتها المحافظات خلال السنوات الأخيرة.
ولهذا تتكرر الأزمات كلما تعلق الأمر بالإيرادات أو التعيينات أو إدارة المؤسسات السيادية.
الدولة أمام اختبار حاسم
تكشف أزمة ضرائب عدن أن التحدي الأكبر أمام الحكومة لم يعد فقط توفير الموارد أو تحسين الخدمات، بل إعادة تعريف العلاقة بين المركز والمحليات على أسس مؤسسية واضحة.
فاستمرار الغموض في توزيع الصلاحيات يهدد بتكرار النزاعات في كل مرة يتم فيها تعيين مسؤول أو إدارة مورد أو اتخاذ قرار مالي مهم.
ومع تصاعد الضغوط الاقتصادية وتراجع ثقة المواطنين بأداء المؤسسات، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى لوضع إطار قانوني وإداري حاسم ينهي حالة الازدواجية ويحدد بوضوح من يملك القرار، ومن يتحمل المسؤولية.
فأزمة مدير ضرائب عدن قد تُحل بتسوية سياسية مؤقتة، لكن السؤال الذي كشفت عنه سيبقى قائماً: هل تمتلك الدولة اليمنية اليوم نموذجاً واضحاً للحكم المحلي، أم أنها ما تزال تدير التوازنات بين المركز والمحافظات بمنطق التسويات أكثر من منطق المؤسسات؟
>
