ذهب حضرموت.. ثروة تُنهب في الجبال وصراع يتغذى على الفراغ الأمني
الجنوب - منذ ساعة و 13 دقيقة
المكلا، نيوزيمن، خاص:
تشهد مناطق جبلية واسعة في مديرية بروم ميفع غرب مدينة المكلا بمحافظة حضرموت تصاعداً لافتاً في عمليات التنقيب العشوائي عن الذهب والمعادن، وسط اتهامات للسلطات المحلية والجهات الحكومية بالتأخر في وضع حد للفوضى التي باتت تهدد الثروة المعدنية والسلم المجتمعي معاً.
وفي جبال النتيشة ووادي المحمديين وقضية والمسيني ومناطق أخرى، تحولت أعمال البحث البدائية عن الذهب إلى نشاط متسارع تقوده مجاميع محلية ومنقبون أفراد، إلى جانب شبكات متخصصة في شراء الخام ونقله وتسويقه، مستفيدة من ضعف الرقابة وغياب التنظيم القانوني والفراغ الأمني في المناطق الجبلية الوعرة.
وبينما يبحث مواطنون عن مصدر دخل في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، تتوسع عمليات الحفر بصورة عشوائية، وسط مخاوف من استنزاف الثروات المعدنية وإهدارها خارج الأطر الرسمية، دون معرفة حجم الكميات المستخرجة أو الجهات التي تتولى شراءها ونقلها، أو العائدات التي تحققها تلك الأنشطة.
ويرى أهالٍ في بروم ميفع أن استمرار هذه العمليات دون رقابة لا يمثل مجرد مخالفة إدارية أو نشاط اقتصادي غير منظم، بل ينذر بتحول مناطق الذهب إلى بؤر جديدة للصراع، في ظل تنافس متزايد على مواقع التنقيب ومسارات نقل الخام ومصالح مرتبطة بعمليات البيع والتهريب.
حادثة قتل تقرع جرس الإنذار
وقال أهالٍ ومصادر محلية إن حادثة قتل شهدتها مديرية بروم ميفع أخيراً كشفت حجم التوتر الذي بدأ يتشكل حول مواقع التنقيب، بعدما تحولت المنافسة على الذهب المستخرج بطرق بدائية إلى خلافات قبلية واحتكاكات مسلحة تهدد بتوسيع دائرة النزاع.
وبحسب المصادر، نصبت مجموعات من قبائل البهيشيين في منطقة ضلومة نقطة تفتيش على مخارج السلسلة الجبلية المؤدية إلى مناطق التنقيب، في وقت تصاعدت فيه الخلافات بشأن استقطاع مبالغ مالية من العاملين والمترددين على مواقع استخراج الذهب.
وأوضحت المصادر أن خلافاً وقع مع أحد المواطنين بشأن تلك الاستقطاعات، قبل أن يتطور إلى إطلاق نار أسفر عن مقتل فتى يبلغ من العمر 17 عاماً من قبائل باحمران، ما أدى إلى حالة من الغضب والتوتر القبلي.
وأثارت الحادثة مخاوف من اتساع المواجهة، مع انتشار مسلحين من الطرفين في مناطق قريبة من الخط الدولي غرب المكلا، وسط تحركات قبلية وأمنية لاحتواء الموقف ومنع انزلاق الخلاف إلى صراع مفتوح.
وبحسب المصادر، دفعت حالة الاستنفار الأجهزة الأمنية والسلطة المحلية إلى تحريك وساطات محلية لنزع فتيل الأزمة، ومنحت مهلة أربعة أسابيع لضبط المتهم الذي فر عقب الحادثة، فيما جرى ضبط نحو خمسة أشخاص على ذمة القضية.
ويرى سكان محليون أن الحادثة تمثل جرس إنذار مبكراً لما قد تؤول إليه الأوضاع إذا استمرت عمليات التنقيب خارج أي إطار قانوني أو أمني، خصوصاً مع تزايد أعداد المنقبين وتنامي التنافس على المواقع التي يُعتقد أنها غنية بالذهب والمعادن الفلزية.
فراغ أمني يفتح الجبال أمام المنقبين
وساهم الفراغ الأمني والعسكري في جبال بروم ميفع في اتساع نشاط التنقيب العشوائي، وفق مصادر محلية، تحدثت عن تنفيذ حفريات عميقة داخل مناطق جبلية للوصول إلى عروق وخامات يُعتقد أنها تحتوي على الذهب.
وأكدت المصادر أن عمليات استخراج الخام لا تخضع لإشراف فني أو بيئي، فيما تُنقل الكميات المستخرجة عبر وسطاء وسماسرة من داخل حضرموت وخارجها، قبل بيعها أو نقلها إلى جهات تتولى معالجة الخام واستخلاص المعادن بطرق غير معلنة.
ويثير هذا النشاط تساؤلات بشأن مصير الثروة المستخرجة وحجم العائدات المتحققة منها، في ظل غياب بيانات رسمية توضح طبيعة المواقع أو نتائج الدراسات الجيولوجية أو الجهات المخولة بالتنقيب.
وكانت قوات لواء بارشيد تتمركز في أجزاء من المنطقة وتؤدي دوراً في تأمين المسارات الجبلية، خصوصاً في وادي المسيني الذي سبق أن عُرف بوجود نشاط لعناصر تنظيم القاعدة، قبل أن تؤدي التطورات والأحداث الأخيرة، وما تعرض له اللواء من قصف جوي، إلى تراجع وجوده وانسحاب قواته من بعض المواقع.
وبحسب المصادر، أدى هذا التراجع إلى اتساع الفراغ الأمني، ما وفر بيئة مناسبة لتحرك المنقبين والمجاميع المسلحة وشبكات شراء ونقل الخام، في مناطق يصعب الوصول إليها وتفتقر إلى الوجود الأمني المستمر.
ويحذر أهالٍ من أن ترك الجبال دون حماية أو رقابة قد يحولها إلى مناطق نفوذ متنازع عليها، خصوصاً مع ارتباط نشاط التنقيب بمصالح مالية متزايدة وظهور نقاط تفتيش غير رسمية وفرض إتاوات على العاملين في بعض المواقع.
قرار بالإيقاف بعد اتساع التوتر
وفي تحرك متأخر، أوقفت السلطات المحلية بمحافظة حضرموت أعمال البحث والتنقيب عن الذهب في منطقة «قضية» بمديرية بروم ميفع، عقب تصاعد الخلافات بين المنقبين ووقوع حادثة القتل.
وجاء القرار في ظل اتساع ظاهرة التنقيب العشوائي عن الذهب والمعادن الفلزية، بعد تداول معلومات عن وجود مواقع يُعتقد أنها غنية بالثروات المعدنية، ما أدى إلى تزايد أعداد المتوافدين واشتداد المنافسة على مناطق التنقيب.
وشهدت مدينة المكلا اجتماعاً عسكرياً ومدنياً ضم لجنة «إصلاح ذات البين»، جرى خلاله استعراض التطورات الميدانية ومناقشة الجهود الرامية إلى احتواء التوتر وإنهاء تداعيات حادثة القتل المرتبطة بالنزاع على مواقع التعدين.
وقالت الجهات المعنية إن قرار الإيقاف يستهدف إعادة الاستقرار وفرض الأمن ومنع تجدد المواجهات، بالتزامن مع مطالبات شعبية بضرورة تنظيم قطاع التعدين ووضع ضوابط واضحة تمنع الفوضى وتحافظ على السلم المجتمعي.
شبكات مصالح تستفيد من فوضى التعدين
وتشير معطيات محلية إلى أن عمليات التنقيب لم تعد مقتصرة على محاولات فردية يقوم بها مواطنون بحثاً عن مصدر دخل، بل بدأت تتداخل فيها شبكات مصالح تتولى تمويل عمليات الحفر وشراء الخام ونقله إلى خارج مناطق التنقيب.
وبحسب المصادر، تعمل بعض الشبكات على استغلال غياب الرقابة لاحتكار شراء الذهب أو المعادن المستخرجة، بينما يجري نقل الخام إلى جهات تتولى معالجته واستخلاصه، بعيداً عن القنوات الرسمية والضوابط القانونية.
ويخشى مراقبون أن يؤدي استمرار هذا الوضع إلى خسارة حضرموت لجزء من ثرواتها المعدنية دون أن تستفيد منها المحافظة أو سكانها، في وقت تتزايد فيه الأعباء الاقتصادية والخدمية وتتعاظم الحاجة إلى استثمار الموارد بصورة قانونية وشفافة.
كما أن غياب التنظيم يفتح الباب أمام نزاعات جديدة بين القبائل والمجاميع المحلية، ويخلق بيئة تسمح بفرض الإتاوات وظهور سلطات غير رسمية تتحكم في الوصول إلى مواقع التعدين ومسارات نقل الخام.
ثروة عامة أم غنيمة لشبكات النفوذ؟
ويطرح تصاعد التنقيب العشوائي سؤالاً أساسياً حول مسؤولية الجهات الحكومية والمحلية في حماية الثروات المعدنية ومنع تحولها إلى غنيمة بيد شبكات المصالح والمهربين.
فإيقاف العمل في موقع واحد، رغم أهميته في احتواء التوتر، قد لا يكون كافياً لمعالجة المشكلة في ظل انتشار عمليات التنقيب في مناطق جبلية متعددة، واستمرار غياب المسح الجيولوجي والرقابة الأمنية والتنظيم القانوني.
ويطالب أهالٍ في بروم ميفع بإجراءات شاملة تشمل تأمين المناطق الجبلية، ومنع الحفريات غير المرخصة، وضبط شبكات شراء ونقل الخام، وإجراء مسوحات فنية رسمية لتحديد حقيقة الموارد المعدنية وحجمها.
كما يدعون إلى إنشاء آلية شفافة تضمن أن تخضع أي أعمال تنقيب أو استثمار لقوانين الدولة، وأن تعود عائدات الثروة بالنفع على المحافظة وسكانها، بدلاً من استمرار استنزافها عبر أنشطة عشوائية قد تترك آثاراً أمنية واجتماعية وبيئية طويلة الأمد.
وتكشف التطورات في جبال بروم ميفع أن قضية الذهب لم تعد مجرد نشاط اقتصادي عابر، بل أصبحت ملفاً أمنياً واجتماعياً يتطلب تدخلاً سريعاً، قبل أن تتحول المنافسة على الثروة إلى صراع أوسع، وتتحول الجبال الغنية بالموارد إلى ساحات للفوضى والنفوذ المسلح.
>
