تحالف البحر الأحمر.. حسابات الردع وتحديات التنفيذ
السياسية - منذ ساعتان و 40 دقيقة
الحديدة، نيوزيمن، خاص:
لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر ملاحي يربط آسيا بأوروبا عبر قناة السويس، بل أصبح أحد أهم ميادين التنافس الجيوسياسي في العالم، حيث تتقاطع فيه مصالح القوى الإقليمية والدولية، وتلتقي عنده تجارة عالمية بمئات المليارات من الدولارات سنوياً، فضلاً عن كونه شرياناً رئيسياً لتدفق النفط والغاز من الخليج إلى الأسواق العالمية.
ومنذ تصاعد الهجمات التي استهدفت السفن التجارية وناقلات النفط، دخل البحر الأحمر مرحلة جديدة من عدم اليقين، انعكست على حركة الملاحة وأسواق الطاقة وتكاليف التأمين والشحن، وأجبرت كثيراً من الشركات العالمية على تغيير مسارات سفنها نحو رأس الرجاء الصالح، بما ترتب على ذلك من ارتفاع في الزمن والكلفة.
في هذا السياق، يأتي إعلان المملكة العربية السعودية تأسيس تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات ليعكس انتقالاً من سياسة إدارة الأزمة إلى محاولة إعادة تشكيل البيئة الأمنية في البحر الأحمر وباب المندب بقيادة إقليمية، في خطوة قد تكون من أبرز التحولات الاستراتيجية في المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
أكثر من حماية للملاحة
ورغم أن الهدف المعلن للتحالف يتمثل في حماية حرية الملاحة وتأمين التجارة الدولية وإمدادات الطاقة، فإن أبعاده تتجاوز ذلك بكثير.
فالتحالف يحمل في جوهره رسالة سياسية واستراتيجية مفادها أن أمن البحر الأحمر لن يبقى معتمداً بصورة رئيسية على القوى الغربية، وأن الدول المطلة على هذا الممر الحيوي باتت مستعدة لتولي دور أكبر في حماية مصالحها وأمنها الجماعي.
كما يمثل التحالف محاولة لبناء مظلة إقليمية قادرة على تنسيق الجهود العسكرية والاستخباراتية بين الدول المشاركة، بما يرفع كفاءة الاستجابة للتهديدات البحرية ويعزز الردع الجماعي.
لماذا يكتسب التوقيت أهمية خاصة؟
جاء الإعلان في توقيت يشهد تصاعداً في التوترات الإقليمية، وفي ظل استمرار الهجمات التي تبنت جماعة الحوثي مسؤولية عدد منها ضد أهداف بحرية أو مرتبطة بالملاحة، بالتوازي مع اتهامات متكررة من الولايات المتحدة ودول غربية وإقليمية لإيران بتقديم الدعم العسكري والتقني للجماعة، وهو ما تنفيه طهران.
وبغض النظر عن التباين في المواقف السياسية، فإن النتيجة العملية كانت واحدة: ارتفاع مستوى المخاطر في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وهو ما جعل البحث عن آلية إقليمية أكثر فاعلية لحماية الملاحة أمراً ملحاً.
هل يستطيع التحالف ردع الحوثيين؟
الإجابة ليست بسيطة، لأن الردع في الحروب الحديثة لا يعتمد فقط على امتلاك السفن الحربية، بل على القدرة على تغيير حسابات الخصم ومنعه من الاعتقاد بأن تكلفة الهجوم ستكون أقل من مكاسبه.
وإذا تمكن التحالف من بناء منظومة متكاملة تشمل الاستخبارات البحرية، والإنذار المبكر، والدفاع الجوي، والدوريات المشتركة، والاستجابة السريعة، فإن ذلك قد يزيد من صعوبة تنفيذ الهجمات ويقلل فرص نجاحها.
أما إذا اقتصر دوره على الاجتماعات والتنسيق السياسي دون حضور عملياتي دائم، فمن المرجح أن يكون تأثيره محدوداً.
الحوثيون.. تكتيكات غير تقليدية
تكمن صعوبة المواجهة في أن التهديد لا يصدر من قوة بحرية تقليدية تمتلك أسطولاً يمكن رصده أو الاشتباك معه بسهولة.
فالتهديدات المنطلقة من اليمن تعتمد، وفق ما أعلنته الجماعة وما وثقته جهات دولية في حوادث متعددة، على استخدام وسائل غير تقليدية تشمل الصواريخ والطائرات المسيرة والزوارق السريعة والألغام البحرية، وهي أدوات أقل تكلفة وأكثر مرونة من الأساطيل التقليدية.
وهذا يعني أن نجاح أي تحالف لن يقاس فقط بعدد السفن المشاركة، وإنما بقدرته على اكتشاف التهديد قبل إطلاقه، وتعزيز الدفاعات، وتأمين الممرات، ورفع كلفة أي محاولة لاستهداف السفن.
ما الذي تمتلكه السعودية؟
تمتلك المملكة موقعاً جغرافياً يجعلها الدولة الأكثر ارتباطاً بأمن البحر الأحمر، إضافة إلى استثمارات ضخمة على ساحله الغربي وموانئ حيوية ومشروعات استراتيجية، فضلاً عن اعتماد جزء مهم من صادراتها النفطية على أمن هذه الممرات.
كما راكمت القوات البحرية السعودية خلال السنوات الماضية خبرة واسعة في حماية السواحل والمنشآت البحرية والعمل المشترك مع قوات صديقة، وهو ما قد يشكل قاعدة مهمة لقيادة تحالف إقليمي إذا توافرت له الموارد وآليات التنسيق المناسبة.
أهمية الدول المشاركة
لا تقتصر أهمية التحالف على السعودية وحدها، بل تمتد إلى طبيعة الدول المنضمة إليه.
فمصر تسيطر على المدخل الشمالي للبحر الأحمر عبر قناة السويس، بينما تشرف اليمن وجيبوتي والصومال على الضفة الجنوبية وباب المندب، وتضيف تركيا وباكستان خبرات وقدرات بحرية معتبرة، في حين يمنح انضمام دول الخليج للتحالف بعداً سياسياً وأمنياً إضافياً.
ومن الناحية النظرية، فإن هذا الانتشار الجغرافي يوفر أساساً جيداً لبناء شبكة مراقبة وتنسيق تمتد من قناة السويس حتى المحيط الهندي.
التحديات التي قد تواجه التحالف
ورغم أهمية المبادرة، فإنها تواجه تحديات لا يمكن تجاهلها. أولها اختلاف القدرات العسكرية بين الدول المشاركة، إذ لا تمتلك جميعها الإمكانات نفسها أو الأولويات الأمنية ذاتها.
وثانيها الحاجة إلى قيادة عملياتية موحدة وقواعد اشتباك واضحة، بما يضمن سرعة اتخاذ القرار في مواجهة التهديدات.
أما التحدي الثالث، فيتمثل في كيفية التنسيق مع القوات البحرية الدولية الموجودة بالفعل في المنطقة، بما يمنع ازدواجية المهام ويعزز فعالية الجهود المشتركة.
ثلاثة سيناريوهات للمستقبل
السيناريو الأول: نجاح استراتيجي
ينجح التحالف في بناء قيادة عملياتية موحدة، وتنفيذ دوريات بحرية منتظمة، وتطوير منظومة متقدمة لتبادل المعلومات، بما يؤدي إلى تعزيز الردع وتقليص المخاطر على الملاحة.
السيناريو الثاني: نجاح محدود
يحقق التحالف نتائج في التنسيق السياسي والاستخباراتي، لكنه يظل معتمداً على دعم القوى الدولية في العمليات العسكرية، فيصبح إطاراً مكملاً للتحالفات القائمة أكثر من كونه بديلاً عنها.
السيناريو الثالث: تعثر المبادرة
تؤدي التحديات المتعلقة بالتمويل أو التنسيق أو اختلاف أولويات الدول المشاركة إلى إبطاء بناء القدرات العملياتية، فيبقى التحالف إطاراً سياسياً دون تأثير ميداني كبير.
الخلاصة..
يمثل التحالف البحري الذي تقوده السعودية محاولة لإعادة صياغة مفهوم الأمن البحري في البحر الأحمر، من خلال قيادة إقليمية وتعاون متعدد الأطراف.
ومن الناحية الاستراتيجية، يحمل التحالف فرصاً لتعزيز الردع إذا نجح في بناء قدرات عملياتية حقيقية وتنسيق فعال بين أعضائه. لكنه في المقابل سيواجه تحديات تتعلق ببنية القيادة، وتكامل الأدوار، وطبيعة التهديدات غير التقليدية التي تتطلب مزيجاً من العمل العسكري والاستخباراتي والدبلوماسي.
لذلك، فإن نجاح التحالف لن يقاس بإعلان تأسيسه أو بعدد الدول المنضمة إليه، وإنما بقدرته على تحقيق نتائج ملموسة في حماية الملاحة، ورفع كلفة الهجمات، وتعزيز الاستقرار في أحد أكثر الممرات البحرية أهمية وحساسية في العالم.
>
