خيارات الرياض العسكرية ضد الحوثيين.. ثلاثة محاور محتملة
السياسية - منذ ساعة و 16 دقيقة
واشنطن، نيوزيمن، ترجمة:
رجّح تحليل نشرته وكالة The Media Line الأمريكية أن تتجه المملكة العربية السعودية إلى دعم عملية عسكرية تقودها القوات الحكومية اليمنية ضد ميليشيا الحوثي، بدل الانخراط في غزو بري سعودي واسع، في ظل تصاعد الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية وتهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.
وبحسب التحليل، فإن التحركات العسكرية السعودية الأخيرة، وما رافقها من إعادة تموضع للقوات وتعزيز للقدرات الدفاعية وتشكيل تحالف بحري متعدد الجنسيات، لا تعني بالضرورة اتخاذ قرار نهائي بالعودة إلى حرب برية شاملة في اليمن، لكنها تعكس استعداد الرياض لخيارات عسكرية متعددة إذا استمرت الجماعة في توسيع هجماتها وتهديد المصالح السعودية.
ويشير التقرير إلى أن التصعيد الحوثي الأخير غيّر حسابات المواجهة، بعد سنوات من الهدوء النسبي على الحدود السعودية اليمنية، ودفع المملكة إلى إعادة تقييم أدوات الرد، خصوصًا مع انتقال تهديدات الجماعة من الجبهات الداخلية إلى الملاحة في البحر الأحمر ومنشآت الطاقة وخطوط تصدير النفط.
تصعيد حوثي يعيد الحرب إلى الواجهة
جاءت هذه التطورات عقب انهيار حالة الهدوء النسبي التي سادت الحدود السعودية اليمنية خلال الأعوام الماضية، إذ أطلق الحوثيون، في 13 يوليو/تموز، صواريخ باتجاه جنوب السعودية، عقب اتهامهم الرياض بالوقوف خلف استهداف مطار صنعاء.
ومثلت الهجمات تحولًا جديدًا في مسار المواجهة، بعدما أعادت التوتر العسكري المباشر بين السعودية والحوثيين، عقب نحو أربع سنوات من التهدئة الهشة التي لم تنجح في إنهاء الحرب أو معالجة أسباب الصراع.
وفي 20 يوليو/تموز، أعلنت الجماعة فرض حصار بحري على السعودية، قبل أن تتبنى لاحقًا هجمات استهدفت ناقلات نفط ومنشآت مرتبطة بقطاع الطاقة، في محاولة لتوسيع دائرة الضغط من الجبهات اليمنية إلى الممرات البحرية والمنشآت الاقتصادية.
ويكتسب هذا التصعيد حساسية خاصة بالنسبة للرياض، في ظل تزايد أهمية البحر الأحمر لصادرات الطاقة السعودية، خصوصًا مع الاضطرابات التي أثرت في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
وبذلك، وجدت المملكة نفسها أمام تهديد متزامن من جهتين؛ اضطرابات الملاحة في الخليج من جهة، وتصاعد المخاطر حول باب المندب والبحر الأحمر من جهة أخرى، في وقت تحاول فيه حماية تدفقات الطاقة والحفاظ على استقرار خطوط التجارة الدولية.
وردًا على ذلك، كثفت السعودية تحركاتها العسكرية، ونفذت غارات على أهداف حوثية، إلى جانب الدفع نحو تشكيل تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات يهدف إلى حماية الملاحة وتعزيز أمن البحر الأحمر.
دعم يمني بدل غزو سعودي
ونقل تحليل The Media Line عن سيريل ويدرشوفن، كبير المستشارين في شركة “بلو ووتر ستراتيجيز”، قوله إنه حتى الثاني من أغسطس/آب 2026، لم تظهر أدلة قاطعة على دخول قوات سعودية نظامية إلى المناطق الخاضعة للحوثيين بأعداد كبيرة أو بدء غزو بري واسع.
وأوضح أن المؤشرات المتزايدة بشأن استعداد الرياض للخيارات العسكرية قد تقود إلى حملة برية محدودة، لكن من المرجح أن تتولى القوات اليمنية المناهضة للحوثيين قيادتها، مقابل دعم سعودي جوي واستخباراتي ولوجستي وقيادي.
ويكشف هذا السيناريو، بحسب التحليل، عن تغير محتمل في طبيعة الدور السعودي، إذ يبدو أن الرياض تسعى إلى تجنب تكرار نموذج التدخل العسكري الذي بدأ عام 2015، والانتقال إلى دعم قوة يمنية منظمة تتولى العمليات الميدانية، فيما تركز المملكة على الإسناد العسكري وحماية الحدود وتوفير الغطاء الجوي.
وقال ويدرشوفن إن الفارق الجوهري يتمثل بين غزو سعودي مباشر وهجوم تقوده قوات يمنية بدعم سعودي، موضحًا أن الرياض لا تبدو راغبة في إرسال تشكيلات مدرعة كبيرة إلى عمق شمال اليمن.
ويرتبط هذا الحذر، وفق التحليل، بطبيعة الجغرافيا اليمنية الوعرة، وطول خطوط الإمداد، وقدرة الحوثيين على خوض حرب استنزاف، وهي عوامل قد ترفع كلفة أي تدخل بري مباشر وتدفع نحو مواجهة طويلة ومعقدة.
ومن المرجح أن تعتمد أي عملية محتملة على وحدات تابعة لمجلس القيادة الرئاسي والقوات الحكومية المتمركزة في مأرب وحضرموت والمناطق الحدودية، مع توفير السعودية الدعم الجوي والاستخباراتي واللوجستي، إلى جانب الإسناد المدفعي والهندسي والدفاعي.
وبهذا المعنى، قد لا يكون الهدف إعادة القوات السعودية إلى قلب المعارك، بل تمكين القوات اليمنية من استعادة زمام المبادرة وتغيير التوازن الميداني، بعد سنوات من الجمود الذي منح الحوثيين فرصة لتعزيز قدراتهم العسكرية وتوسيع نفوذهم.
ثلاثة محاور أمام أي عملية محتملة
وأشار التحليل إلى ثلاثة محاور رئيسية يمكن أن تشكل مسارات لأي حملة عسكرية ضد الحوثيين. ويتمثل المحور الأول في محافظة البيضاء، التي تحتل موقعًا استراتيجيًا في وسط اليمن، وتربط بين عدد من المحافظات والمناطق الحيوية، ما يجعلها نقطة محتملة للضغط على خطوط الاتصال والإمداد الحوثية.
لكن التحليل حذر من أن أي عملية في البيضاء ستواجه تحديات كبيرة بسبب الطبيعة الجبلية المعقدة، وضيق الطرق، وتشابك الاعتبارات القبلية، الأمر الذي قد يحول أي تقدم عسكري إلى مواجهة طويلة ومكلفة.
أما المحور الثاني، فيتمثل في جبهات مأرب، حيث تحتفظ القوات الحكومية بوجود عسكري كبير، لكنها تواجه في المقابل تحصينات ومواقع دفاعية حوثية راسخة. ويركز السيناريو الثالث على الساحل الغربي، عبر التحرك من المخا والخوخة باتجاه الحديدة، بهدف تقليص قدرة الحوثيين على استخدام الموانئ والمنشآت الساحلية في دعم عملياتهم وتهديد الملاحة الدولية.
ويمنح الساحل الغربي القوات الحكومية ميزة نسبية مقارنة بالمناطق الجبلية، إلا أن أي تحرك باتجاه الحديدة سيظل محاطًا بحسابات سياسية وإنسانية، نظرًا لأهمية الميناء ودوره في تدفق السلع والمساعدات إلى ملايين اليمنيين.
ويرجح التحليل أن يبقى الدور السعودي بعيدًا عن التشكيلات البرية الرئيسية، وأن يتركز على حماية الحدود، وتقديم الضربات الجوية الدقيقة، والدعم المدفعي والاستخباراتي، إلى جانب تنفيذ عمليات محدودة وتوفير الإسناد اللوجستي.
كما يُتوقع أن تركز الطائرات المقاتلة والطائرات المسيّرة السعودية على استهداف منصات الإطلاق ومستودعات الأسلحة ومراكز القيادة ومواقع الصواريخ الساحلية، قبل أي تحرك بري وأثناءه، بالتوازي مع تعزيز الإجراءات البحرية لحماية خطوط الملاحة.
غير أن التحليل شدد على أن الضربات الجوية وحدها لن تكون كافية لإنهاء نفوذ الحوثيين أو فرض السيطرة على المناطق الخاضعة لهم، ما يعني أن أي حملة عسكرية ستظل بحاجة إلى قوة يمنية قادرة على التقدم ميدانيًا والحفاظ على المناطق التي يتم استعادتها.
وأشار ويدرشوفن إلى أن الهدف المحتمل للرياض لن يكون السيطرة الكاملة على مناطق الحوثيين أو الدخول في حرب مفتوحة لاستعادة جميع الأراضي، بل تغيير التوازن العسكري بما يدفع الجماعة إلى وقف هجماتها على السعودية والملاحة البحرية.
الحوثيون يوسعون دائرة المواجهة
ولفت التقرير إلى أن الصراع لم يعد محصورًا داخل اليمن، بعدما تحدثت تقييمات سعودية وإقليمية عن امتداد بعض الهجمات إلى مناطق أخرى، بما يعكس اتساع شبكة التنسيق بين الحوثيين وفصائل موالية لإيران.
ويزيد هذا التوسع من تعقيد الحسابات السعودية، إذ إن نجاح أي عملية داخل اليمن قد لا يكون كافيًا لمنع استمرار الهجمات عبر جبهات أو شبكات إقليمية أخرى. كما يضع التصعيد الحوثي الرياض أمام معادلة صعبة؛ فالاكتفاء بالردود الدفاعية قد يمنح الجماعة مساحة لمواصلة الضغط، بينما قد يؤدي الانخراط في مواجهة واسعة إلى استنزاف عسكري واقتصادي وفتح الباب أمام حرب إقليمية طويلة.
ويبدو أن الحوثيين يستخدمون التهديد البحري باعتباره أداة ضغط تتجاوز حدود اليمن، مستفيدين من الموقع الاستراتيجي للبلاد قرب باب المندب، ومحاولين ربط أمن الملاحة بمطالبهم السياسية والعسكرية.
ويخلص تحليل The Media Line إلى أن السعودية تعمل على إعداد خياراتها العسكرية وتعزيز قدراتها الدفاعية والبحرية، مع تزايد احتمالات دعم عملية محدودة تقودها القوات الحكومية اليمنية عبر البيضاء أو مأرب أو الساحل الغربي.
لكن احتمال الغزو البري السعودي الواسع لا يزال، بحسب التحليل، أقل ترجيحًا، في ظل الكلفة المحتملة للحرب، وتعقيدات الجغرافيا اليمنية، ورغبة الرياض في تجنب العودة إلى نموذج التدخل المباشر.
وتبقى فاعلية أي تحرك مرهونة بقدرة القوات الحكومية على توحيد صفوفها والحفاظ على زخم العمليات، ومدى كفاية الدعم السعودي الجوي واللوجستي، إضافة إلى قدرة الأطراف على تحويل الضغط العسكري إلى مسار سياسي يمنع انزلاق اليمن والمنطقة إلى مواجهة مفتوحة.
وبينما تواصل ميليشيا الحوثي توسيع تهديداتها من الجبهات اليمنية إلى البحر الأحمر والمنشآت الاقتصادية، تبدو السعودية أمام مرحلة جديدة تتجاوز خيار الحرب أو السلام، نحو استراتيجية تجمع بين الردع البحري والدعم العسكري للقوات الحكومية، في محاولة لوقف التصعيد دون الانجرار إلى غزو بري جديد قد يعيد المنطقة إلى دائرة صراع طويل ومفتوح.
>
