محمد الصالحين الهوني

محمد الصالحين الهوني

تابعنى على

تصنيف "الإخوان" إرهابية: رسالة أميركية مزدوجة للحلفاء والخصوم

منذ ساعة و 43 دقيقة

القرار الذي اتخذته الإدارة الأميركية بتصنيف فروع جماعة الإخوان المسلمين في مصر والأردن ولبنان كمنظمات إرهابية شكّل تحولاً نوعياً في التعامل الرسمي الأميركي مع واحد من أقدم التنظيمات الإسلامية السياسية وأكثرها انتشارا. لم تعد الخطوة مجرد إدانة خطابية، بل تحولت إلى إجراء ملموس له تبعات قانونية وسياسية بالغة. القرار جاء تتويجاً لمسار طويل من العلاقة المتذبذبة بين واشنطن والجماعة. إلا أنه يطرح على الفور سؤالاً محورياً: إلى أي مدى يمثل هذا التصنيف تقييماً أمنياً موضوعياً لمخاطر الجماعة الحقيقية، وإلى أي حد هو ورقة ضغط سياسية، تحمل رسائل مبطنة لحلفاء وخصوم على حد سواء؟ الإجابة لا تكمن في النص القانوني للقرار، بل في سياقه التاريخي المعقد وفي تداعياته المتشعبة.

لطالما اتسمت العلاقة بين الإدارة الأميركية وجماعة الإخوان المسلمين بدرجة عالية من البراغماتية والغموض. منذ تأسيس الجماعة عام 1928، تعاملت واشنطن معها تارة كخصم أيديولوجي، وتارة كشريك محتمل في مواجهة التطرف اليساري أو الشيوعي، وتارة ثالثة كظاهرة اجتماعية لا مفر من التعامل معها. لقد استثمر الإخوان سنوات طوالاً في محاولة تسويق أنفسهم في الغرب كحركة إسلامية سياسية “معتدلة” و”ديمقراطية”، يمكن أن تكون جسراً بين العالم الإسلامي والغرب. ولكن يبدو أن هذا الخطاب قد أصابه تشقق كبير في عهد إدارة ترامب، التي تتبنى رؤية أكثر حزماً في تعريف الإرهاب، تربط بشكل واضح بين التنظيمات الإسلامية السياسية والعنف. دوافع واشنطن اليوم تبدو متعددة: فهناك الدافع الأمني المعلن لمكافحة التطرف وقطع منابع التمويل، وهناك الدافع الإستراتيجي لحماية المصالح الأميركية عبر استقرار الحكومات الحليفة مثل مصر والأردن، وهناك أيضاً الدافع المتعلق بإعادة ضبط التوازنات الإقليمية لصالح محور تقوده السعودية والإمارات ومصر، على حساب محور تركيا وقطر.

يكمن جوهر التأثير الأميركي في التمييز الدقيق بين آليتي التصنيف. فتصنيف وزارة الخارجية الأميركية لمنظمة ما كـ”منظمة إرهابية أجنبية” (FTO) هو إجراء شديد القسوة، يقيد السفر ويحرم الأعضاء من الحماية القانونية. بينما التصنيف الذي تم أخيراً، والصادر عن وزارة الخزانة تحت قانون الطوارئ الاقتصادية الدولية (IEEPA)، يستهدف بشكل أساسي “المنظمات الإرهابية العالمية” من خلال عصب حياتها: المال. هذا القرار يعني تجريم أي دعم مادي أو عيني للفروع المصنفة، وتجميد أي أصول لها قد تكون تحت السيطرة الأميركية. كما يغلق الباب أمام أعضاء أو قيادات هذه الفروع للحصول على حق اللجوء أو الإقامة في الولايات المتحدة. الأثر المباشر سيكون مدمراً على النشاط الخارجي للجماعة، الذي اعتمد تاريخياً على شبكة معقدة من جمع التبرعات تحت غطاء العمل الخيري، وعلى توظيف الجمعيات والمنظمات غير الحكومية في دول اللجوء كواجهة لنشاطها السياسي والتنظيمي. إنه ضربة استهدفت الشجرة من جذورها المالية واللوجستية.

لكن ارتدادات هذا القرار تتجاوز الجماعة نفسها لتصل إلى قلب معادلات إقليمية هشة. في مصر والأردن، يُنظر إلى الخطوة الأميركية كتأييد دولي كبير لسياسات هذين الحليفين، وتعزيز لشرعيتهما في مواجهة خصم داخلي. في لبنان، الوضع أكثر تعقيداً بسبب تشابك نسيج الطوائف والتنظيمات، قد يحول لبنان إلى ساحة جديدة لتصفية الحسابات الإقليمية عبر الوكالة. الأكثر إحراجاً هو الموقف في قطر وتركيا، اللتين قدمتا لسنوات ملاذاً أو دعماً لقيادات وكوادر الجماعة. القرار الأميركي يضغط مباشرة على هاتين الدولتين، ويوصل رسالة واضحة بضرورة إعادة النظر في هذه العلاقة أو تقليصها.

على المستوى الدولي، يضع القرار حكومات أوروبية في موقف محرج، خاصة تلك التي سمحت لفروع الجماعة بالعمل بحرية نسبية تحت مظلة حرية التعبير والجمعيات. كما أنه سيعقد ملفات اللجوء السياسي لأعضاء الجماعة، حيث سيتعين على الحكومات والأكاديميين إعادة فحص السردية التي قدمها الإخوان عن أنفسهم كقوة إصلاحية سلمية.

من الضروري هنا تقديم قراءة نقدية تتجاوز التطبيل أو التكفير للقرار. أولاً، هل يمثل القرار اعترافاً أميركياً متأخراً، وربما ناضجاً، بحقيقة طبيعة الجماعة وخطورتها كتنظيم عابر للحدود يهدد الاستقرار، أم أنه في جوهره ورقة انتخابية داخلية لإدارة ترامب، تهدف إلى إرضاء قاعدة محافظة ومعادية للإسلام السياسي، أو إلى تحسين صورتها أمام اللوبي الإسرائيلي؟ ثانياً، ما هو المصير المتوقع للجماعة؟ هل سيقود الحصار المالي والقانوني إلى تفكيك بنيتها الدولية وتقليص نفوذها، أم إنه سيدفع بها إلى مزيد من السرية والتشبيك الخفي مع جماعات أخرى أكثر تشدداً، مما قد يزيد من تطرفها ويعمق من مشكلة العنف الذي تدعي واشنطن مكافحته؟ سؤال ثالث يطرح نفسه: هل ستكون هذه الخطوة مجرد بداية لموجة أوسع؟ هل يفتح الباب أمام تصنيف فروع أخرى للإخوان تعمل في أوروبا أو أفريقيا أو آسيا، مما يحولها إلى منظمة “إرهابية” بشكل شبه عالمي؟

لا شك أن القرار الأميركي يضع جماعة الإخوان المسلمين أمام أزمة هي الأقسى في تاريخها الحديث، فهو يستهدف قدرتها على البقاء مالياً وتنظيمياً في الساحة الدولية. ولكن الأهم من ذلك، أن هذه الخطوة تحمل رسائل مزدوجة ومحسوبة بدقة: فهي من ناحية تهدف إلى طمأنة الحلفاء التقليديين، وتقدم دعما ملموسا لسرديتهم الأمنية، وهي من ناحية أخرى تسلط الضوء وتحرج الحلفاء المختلفين في أنقرة والدوحة، وتضغط عليهم لتعديل سياساتهم. يجب قراءة هذا القرار في سياق أوسع هو إعادة رسم النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، حيث تريد قوى إقليمية ودولية فرض قواعد جديدة لا مكان فيها للتساهل مع التنظيمات العابرة للحدود، الإسلامية أو غيرها، والتي تتدخل في شؤون الدول الأخرى. إنه قرار يعكس، في نهاية المطاف، انتصاراً مؤقتاً لرؤية تعتبر أن الاستقرار يتحقق عبر تحالفات بين دول قومية قوية، وليس عبر تمكين حركات أيديولوجية شعبوية. مصير الإخوان سيكون، كما كان دائماً، رهناً بقدرتهم على التكيف مع هذه العاصفة الجديدة، وبرغبة القوى الإقليمية في استخدامهم أو التخلي عنهم في لعبة الشطرنج الكبرى التي لا تعرف رحمة.

* صحيفة العرب اللندنية