محمد الصالحين الهوني
هل آن الأوان ليعيد العرب صياغة أمنهم بأيديهم؟
المنظومة الدفاعية الخليجية أظهرت في الحرب الأخيرة أنها قادرة على صدّ جزء من الهجمات، لكنها في الوقت نفسه كشفت هشاشة الأمن الإقليمي، وأكدت أن الاعتماد على الحلفاء الخارجيين لم يعد ضمانة كافية. التصريحات القطرية جاءت لتقول بوضوح إن مفهوم الأمن المشترك قد انكسر، وإن دول الخليج بحاجة إلى مراجعة شاملة تعيد تعريف منظومة الدفاع الجماعي بما يتناسب مع طبيعة التهديدات المتجددة، التي لم تعد تقتصر على الحدود التقليدية بل باتت تمتد إلى الفضاء الإلكتروني وسلاسل الإمداد العالمية.
هذا الاعتراف يفتح الباب أمام سؤال أكبر يتجاوز الخليج إلى العالم العربي كله: إذا كان الأمن الخليجي يحتاج إلى مقاربة جماعية أكثر تماسكًا، فهل يمكن للعرب أن يعيدوا إحياء مشروع القوة العربية المشتركة، ليس كرد فعل عابر، بل كمشروع استراتيجي طويل الأمد يضعهم أمام مسؤولية صياغة أمنهم بأيديهم؟
إن التحولات الجيوسياسية المتسارعة، كالانسحاب الأميركي المتدرج من المنطقة وبروز أطراف دولية جديدة تسعى لملء الفراغ، تجعل من هذه المسؤولية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
إعادة طرح فكرة القوة العربية المشتركة ليست استذكارًا لملف قديم، بل استدعاء لسؤال الأمن العربي في لحظة فارقة، حيث تتقاطع التهديدات الإقليمية والدولية مع هشاشة الترتيبات القائمة، وحيث يتضح أن الرهان على الآخرين لم يعد ضمانة، وأن الانتظار لم يعد ترفًا سياسيًا. فمنذ قمة شرم الشيخ عام 2015 ظل المشروع معلقًا بين التصريحات والبيانات، ثم تراجع تحت وطأة الانقسامات وتضارب الأولويات، ليبقى مجرد حلم مؤجل.
لكن المعطيات اليوم تغيّرت. الاعتداءات تتصاعد، الملاحة البحرية في الخليج والبحر الأحمر مضطربة، والضغوط الدولية على الدول العربية تتزايد لحملها على حماية أمنها بنفسها. ففي البحر الأحمر وحده، شكلت هجمات الحوثيين أكثر من 100 استهداف للسفن التجارية خلال عامين، مما أعاد تشكيل خرائط طرق الشحن العالمية وألحق أضرارًا بمصالح عربية مباشرة.
هذه الأحداث لم تكن مجرد حلقات معزولة، بل كشفت عن نمط ممنهج لاستغلال نقاط الارتكاز الاستراتيجية، محولةً الممرات المائية إلى أدوات ضغط جيوسياسي بامتياز. في ظل هذه الظروف، لم يعد النقاش حول جدوى القوة المشتركة ترفا، بل ضرورة أمنية ملحة، إن أراد العرب أن يتجنبوا الوقوع ضحيةً للتنمر الإقليمي والدولي.
مجرد الإعلان عن المشروع يحمل قيمة رمزية كبرى، لأنه يبعث برسالة إلى العالم بأن العرب قادرون على التفكير الجماعي، حتى لو لم يصلوا فورًا إلى جيش موحد. هذه الرمزية مكسب سياسي، لأنها تعكس إرادة تجاوز التشرذم، وتمنح العرب وزنًا إضافيًا في المعادلات الدولية، خصوصًا في عالم سريع التحول حيث لم تعد التحالفات التقليدية ضمانة مطلقة.
التجربة الخليجية الأخيرة تقدم الدليل الحي. صحيح أن الشراكات الدفاعية مع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا أثبتت فعاليتها، لكن الحرب الأخيرة أظهرت أن الأمن الخليجي بحاجة إلى مقاربة جماعية أكثر تماسكًا، خاصة مع استهداف منشآت مدنية حيوية، مثل الهجوم على أرامكو في بقيق وخريص عام 2019 الذي كشف عن هشاشة البنى التحتية الحيوية أمام الهجمات الدقيقة، ومع إدراك أن أي خلل في أمن الطاقة أو الملاحة البحرية ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي.
هنا يلتقي المساران: مشروع القوة العربية المشتركة من جهة، والتجربة الخليجية من جهة أخرى. كلاهما يؤكد أن الوقت قد حان للانتقال من الشعارات إلى آليات عملية واضحة. البدء بتحالف أمني محدود يضم دول الخليج ومصر والأردن قد يكون خطوة واقعية، تسمح بتجاوز عقبة تباين الأولويات.
فهذه الدول تمتلك بنى تحتية عسكرية متطورة وخبرات قتالية متراكمة، ما يجعلها نواة طبيعية لأي تحالف عربي مستقبلي. هذا التحالف يمكن أن يشكّل نواة لمنظومة أمنية عربية متدرجة، تبدأ بالتنسيق الاستخباراتي وتبادل المعلومات، ثم تدريبات مشتركة، وصولًا إلى وحدات محددة تتحرك عند الحاجة. القوة المشتركة ليست هدفًا نهائيًا، بل مسار طويل يحتاج إلى صبر وإرادة سياسية متواصلة، وقدرة على تجاوز الخلافات التي أعاقت العمل العربي المشترك لعقود.
الطريق مليء بالعقبات. الانقسامات السياسية العميقة بين بعض الدول تجعل من الصعب تصور قيادة موحدة. الأولويات الأمنية متباينة: بعض الدول ترى أن التهديد الإيراني هو الأولوية، بينما تركز أخرى على مكافحة الإرهاب أو حماية الاقتصاد. التمويل والقيادة يظلان سؤالين معلقين: من سيموّل؟ ومن يقود؟ ثم هناك التوازن مع القوى الدولية، إذ ستثير أي قوة عربية مشتركة تساؤلات حول علاقتها بالولايات المتحدة وحلف الناتو ومدى استقلاليتها. هذه العقبات ليست جديدة، لكنها اليوم أكثر تعقيدًا في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة.
ورغم ذلك، يبقى البعد الرمزي حاضرًا. مجرد الإعلان عن قوة عربية مشتركة يمكن أن يشكّل أداة ردع رمزية، ويعزز صورة الموقف العربي الموحد. هذه الرمزية مكسب سياسي، لأنها تبعث برسالة قوية بأن العرب قادرون على التنسيق والعمل الجماعي، وأنهم يملكون إرادة مشتركة تمنحهم وزنًا إضافيًا في المعادلات الدولية. كما أن نجاح أي مشروع عسكري عربي مشترك، ولو على نطاق ضيق، سينعكس إيجابًا على التكامل الاقتصادي، الذي ظل رهينًا بالاستقرار السياسي والأمني.
الأهم أن المشروع يعكس تطلعًا إلى استقلالية أمنية عربية. لعقود، اعتمدت دول الخليج على التحالفات الخارجية، خصوصًا مع الولايات المتحدة وبريطانيا. لكن التجارب الأخيرة أثبتت أن هذا الاعتماد وحده لا يكفي. فالتاريخ أثبت أن الردع الحقيقي لا يقوم على الوعود الخارجية بقدر ما يقوم على قدرة الدول على حماية مصالحها بذاتها.
بناء منظومة أمنية جماعية أكثر قوة وتماسكًا يمكن أن يمنح العرب القدرة على حماية مصالحهم بأنفسهم، ويقلل من اعتمادهم على القوى الخارجية. هذا التحول لم يعد خيارًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة التحديات العابرة للحدود، من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، إلى تهديدات الملاحة البحرية وأمن الطاقة. إن الانتقال من مرحلة التنسيق الأمني المحدود إلى مرحلة الدفاع المشترك الفاعل هو التحدي الحقيقي الذي سيرسم ملامح مستقبل المنطقة في العقود القادمة.
* صحيفة العرب اللندنية
>
