احتجاجات متصاعدة في إيران على وقع أزمة اقتصادية وانتكاسات إقليمية
العالم - Monday 05 January 2026 الساعة 05:58 pm
طهران، نيوزيمن:
تواجه إيران موجة احتجاجات آخذة في الاتساع، اندلعت على خلفية التدهور الحاد في الأوضاع الاقتصادية، ما يضع نظام الحكم أمام اختبار داخلي جديد في توقيت إقليمي ودولي بالغ الحساسية. وتأتي هذه التحركات في ظل ضغوط سياسية وعسكرية متراكمة، وتراجع ملحوظ في نفوذ طهران الإقليمي.
وتتزامن الاحتجاجات مع تداعيات حرب استمرت 12 يوماً في يونيو (حزيران)، شنتها إسرائيل وشهدت قصفاً أميركياً لمواقع نووية داخل إيران، وفق تقارير غربية. كما فاقمت عودة عقوبات الأمم المتحدة المرتبطة بالبرنامج النووي، في سبتمبر (أيلول)، من حدة الأزمة الاقتصادية، ما أدى إلى انهيار غير مسبوق في قيمة العملة الوطنية، إذ يُتداول الريال الإيراني حالياً عند نحو 1.4 مليون ريال مقابل الدولار الأميركي، بحسب متابعات اقتصادية دولية.
وأفادت "وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان" (HRANA)، ومقرها الولايات المتحدة، بأن الاحتجاجات شملت أكثر من 170 موقعاً في 25 محافظة من أصل 31، وأسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 15 شخصاً واعتقال أكثر من 580 آخرين. وتعتمد الوكالة على شبكة واسعة من النشطاء داخل إيران، وقد عُرفت بدقة تقاريرها خلال احتجاجات سابقة، لا سيما في عامي 2019 و2022.
ورغم ذلك، لا يزال من الصعب تحديد الحجم الحقيقي للاحتجاجات، في ظل التعتيم الإعلامي الرسمي، واقتصار التغطية على إشارات مقتضبة، بينما تُظهر مقاطع الفيديو المتداولة عبر الإنترنت لقطات قصيرة ومهزوزة، أو أصوات إطلاق نار دون سياق واضح. كما يواجه الصحافيون المحليون والأجانب قيوداً صارمة، تشمل تصاريح التنقل ومخاطر المضايقة أو الاعتقال، وفق منظمات معنية بحرية الصحافة.
ورغم تحذير المرشد الإيراني علي خامنئي، السبت، من أن "مثيري الشغب يجب أن يُوضَعوا عند حدهم"، لا تبدو مؤشرات التراجع واضحة حتى الآن.
ويُعد الانهيار المتواصل للعملة الوطنية أحد أبرز أسباب الاحتجاجات، إذ أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار السلع الأساسية، بما في ذلك اللحوم والأرز، في وقت يعاني فيه الاقتصاد الإيراني من معدل تضخم سنوي يقترب من 40 في المائة، وفق بيانات صندوق النقد الدولي.
وفي ديسمبر (كانون الأول)، استحدثت الحكومة شريحة تسعير جديدة للبنزين المدعوم، ما رفع أسعار أحد أرخص أنواع الوقود في العالم، وأثار مخاوف من موجة زيادات متتالية، خصوصاً مع إعلان السلطات نيتها مراجعة الأسعار كل ثلاثة أشهر، وهو ما أعاد إلى الأذهان احتجاجات الوقود الواسعة عام 2019.
وانطلقت الاحتجاجات الحالية من تحركات لتجار في طهران، قبل أن تمتد إلى محافظات عدة، ومع أنها بدأت بمطالب معيشية، فإنها سرعان ما اكتسبت طابعاً سياسياً، في ظل غضب متراكم منذ سنوات، تفجّر بشكل واسع عقب وفاة الشابة مهسا أميني أثناء احتجازها لدى "شرطة الأخلاق" عام 2022، وهي حادثة وثّقتها الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية.
وتأتي الاحتجاجات في وقت يواجه فيه "محور المقاومة" المدعوم من إيران سلسلة انتكاسات. فقد تكبدت حركة "حماس" خسائر جسيمة في حرب غزة، فيما فقد "حزب الله" اللبناني عدداً من قياداته البارزة ويواجه ضغوطاً عسكرية وسياسية متزايدة. وفي ديسمبر 2024، أطاح هجوم مفاجئ بحليف طهران في سوريا، الرئيس بشار الأسد، بينما تعرض الحوثيون في اليمن لضربات جوية إسرائيلية وأميركية متكررة، بحسب تقارير أممية وغربية.
ورغم استمرار الصين بوصفها مشترياً رئيسياً للنفط الإيراني، فإن دعمها اقتصر على الجانب الاقتصادي، دون تقديم غطاء عسكري. وينطبق الأمر ذاته على روسيا، التي استخدمت طائرات مسيّرة إيرانية في حربها على أوكرانيا، من دون أن تقدم دعماً مباشراً لطهران في ملفاتها الإقليمية، وفق مراكز أبحاث دولية.
وتؤكد إيران منذ عقود أن برنامجها النووي سلمي، غير أن مسؤولين إيرانيين لوّحوا مراراً بإمكانية امتلاك سلاح نووي. وقبل الضربة الأميركية في يونيو، كانت طهران تخصّب اليورانيوم إلى مستويات قريبة من درجة الاستخدام العسكري، ما جعلها الدولة الوحيدة التي تصل إلى هذه المستويات دون امتلاك سلاح نووي، بحسب الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA).
وحذّر المدير العام للوكالة من أن إيران قد تكون قادرة على تصنيع ما يصل إلى 10 قنابل نووية إذا قررت تسليح برنامجها، في حين تقدّر الاستخبارات الأميركية أن طهران لم تبدأ بعد برنامجاً عسكرياً نووياً، لكنها قامت "بأنشطة تضعها في موقع أفضل لإنتاج سلاح نووي إذا اختارت ذلك".
وأعلنت إيران أخيراً وقف تخصيب اليورانيوم في جميع المواقع، في محاولة لإظهار انفتاحها على استئناف المفاوضات وتخفيف العقوبات، غير أن هذه الخطوة لم تُفضِ حتى الآن إلى اختراق سياسي ملموس، خصوصاً في ظل تعقيد العلاقات مع واشنطن.
وكانت إيران حليفاً رئيسياً للولايات المتحدة في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، قبل أن تؤدي الثورة الإسلامية عام 1979 إلى قطيعة حادة. ومنذ ذلك الحين، تأرجحت العلاقات بين العداء والانفراج المحدود، وبلغت ذروتها بالاتفاق النووي عام 2015، قبل أن يعيد انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب منه عام 2018 التوترات إلى الواجهة، لتدخل العلاقات بين البلدين واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً وحساسية، وفق تحليل "أسوشييتد برس" ومراكز بحث أميركية.
>
