من الإنتاج إلى الإغلاق.. سياسات حوثية لتدمير القطاع الخاصة وتسريح العمالة

السياسية - Friday 09 January 2026 الساعة 10:26 am
الحديدة، نيوزيمن، خاص:

واصلت مليشيا الحوثي الإيرانية سياسة الخنق الاقتصادي والتضييق على القطاع الخاص في اليمن، وهي استراتيجية واسعة النطاق تهدف إلى فرض سيطرة اقتصادية كاملة في المناطق التي تسيطر عليها، عبر إغلاق الشركات، وعرقلة حركة الإنتاج والتجارة، وفرض قيود جائرة على رجال الأعمال والعمال، ما زاد من تفاقم الأوضاع الإنسانية والمعيشية للمواطنين المتضررين. 

وأفاد مدير مكتب الإعلام في محافظة الحديدة، علي الأهدل، بأن ممارسات المليشيا الاقتصادية أدت إلى تشريد أكثر من عشرة آلاف عامل خلال الشهرين الماضيين، نتيجة إجراءات تعسفية استهدفت المنشآت الصناعية والتجارية، آخرها إغلاق مجمع مصانع إخوان ثابت بعد منع دخول المواد الخام عبر الطرق البرية والبحرية، ما تسبب في توقف الإنتاج بشكل كامل وعطل مصادر دخل آلاف الأسر. 

ويعد مجمع "إخوان ثابت" من أكبر المؤسسات الصناعية في الحديدة، وكان يشكّل عمادًا اقتصاديًا يوفر فرص عمل واسعة ويُسهم في الحركة التجارية المحلية. لكن إجراءات الحوثيين المفروضة، بحسب مصادر محلية، لا تقتصر على المنع من دخول المواد الخام فحسب، بل تشمل الابتزاز والضغط على الإدارة والموظفين بهدف إخضاع الشركة لسيطرة المليشيا، في سياسة يصفها المراقبون بأنها جزء من مخطط أوسع لتدمير الاقتصاد المحلي وتجيير الموارد لصالح الجهاز الاقتصادي الموازي الذي يبنيه الحوثيون. 

ويرى اقتصاديون أن الهدف من هذه السياسات ليس تنظيم السوق أو حماية المنتج المحلي كما تدّعي المليشيا، بل إضعاف القطاع الخاص وإفراغه من الكفاءات الوطنية، ودفع الشركات الكبرى إلى الإفلاس أو إغلاق أبوابها نهائيًا، مما يفتح المجال أمام إنشاء هيكل اقتصادي جديد يسيطر عليه الحوثيون وشركاؤهم، ويُستخدم في تمويل الحرب وبناء شبكة نفوذ اقتصادية مستقلة. 

وتظهر ممارسات مماثلة في مناطق أخرى تحت سيطرة الحوثيين، حيث يواجه المستثمرون العراقيل والتضييقات، تشمل إغلاق مراكز تجارية ومشاريع إنتاجية، وملاحقة أصحاب رؤوس الأموال، وفرض شركاء حوثيين بالقوة على بعض الأصول الاقتصادية، ما يساهم في هجرة رؤوس الأموال وتشريد المستثمرين خارج البلاد. 

ففي صنعاء جرى الإعلان عن إغلاق مطعم "ريماس بلازا" في صنعاء—أحد أكبر وأشهر المطاعم السياحية في العاصمة— كدليلًا جديدًا على اتساع دائرة الاستهداف الممنهج للقطاع الخاص. 

فبينما يروّج وزير مالية صنعاء عبدالجبار الجرموزي عبر منصاته لما يسميه "تسهيلات ودعمًا لرأس المال الوطني"، جاء إعلان إدارة مطاعم ريماس إيقاف جميع خدماتها ابتداءً من 1 يناير 2026، بسبب ما وصفته بـ"الظروف القاهرة"، ليكشف الفجوة الصارخة بين الخطاب الدعائي والواقع الاقتصادي الخانق. 

وتؤكد مصادر اقتصادية أن هذه "الظروف" ليست سوى نتاج مباشر لسياسات الجبايات القسرية والابتزاز المتواصل، وعرقلة دخول المواد، وفرض الإتاوات، ما جعل استمرار المنشأة مستحيلًا، وأفقد قرابة 200 أسرة مصدر دخلها دفعة واحدة. 

ويرى خبراء أن إغلاق ريماس لا يُعد حادثة معزولة، بل حلقة ضمن سلسلة إغلاقات طالت مطاعم ومصانع ومنشآت تجارية كبرى، في ظل بيئة استثمارية طاردة حولت النشاط الاقتصادي إلى أداة استنزاف وتمويل للحرب، وهو ما وثقته تقارير دولية ومحلية عن ممارسات الحوثيين بحق القطاع الخاص في صنعاء ومناطق سيطرتهم .

ينعكس هذا التقييد على القطاع الخاص بصورة مباشرة، إذ يؤدي إغلاق المصانع والمنشآت إلى ارتفاع معدلات البطالة وتفاقم الفقر، فيما تُعتبر الأسر التي تعتمد على أجور العمال أول المتضررين، وهو ما يتضح من الأعداد الكبيرة التي خسرت وظائفها في الحديدة نتيجة إغلاق المصانع؛ إذ تشير التقارير إلى أن المضاربات والممارسات الحوثية تكرّست خلال السنوات الماضية، واستُخدمت كأداة ضغط اقتصادي على السكان. 

وتعكس هذه السياسات، بحسب مراقبين، تركيز الحوثيين على بناء اقتصاد موازٍ يتيح لهم التحكم في الموارد الاقتصادية الأساسية، والتحكّم في السلع والخدمات، وتصدير رؤوس الأموال إلى جهات موالية لهم، بينما يُترك المواطن والمستثمر المحلي لمواجهة واقع اقتصادي معقّد يتسم بالقيود والابتزاز والقواعد غير القانونية. 

من الناحية الإنسانية، يتسبب تدهور القطاع الخاص في زيادة الاعتماد على الدعم الإنساني، وتفاقم الأوضاع المعيشية للأسر، ولا يقتصر الضرر على العمال المضارين مباشرة، بل يمتد ليشمل سلاسل التوريد المحلية والأسواق الصغيرة التي تعتمد على النشاط الاقتصادي في المناطق المتضررة. ويُخشى أن يؤدي استمرار هذا النهج إلى هجرة المزيد من العائلات ورؤوس الأموال خارج البلاد، مما يضعف قدرة المجتمع على التعافي ويطيل أمد الأزمة الإنسانية. 

كما أن هذا التدهور الاقتصادي يعزز التحديات السياسية، إذ تُستخدم السياسات الاقتصادية كسلاح تضييق على السلطة المحلية والمجتمع المدني لإضعاف من يعارض سيطرة الحوثي، ما يُعد جزءًا من حرب شاملة تشمل بعدًا عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا يهدف إلى تثبيت النفوذ على المدى الطويل.