تعز.. عشر سنوات من الظلم المركّب وصناعة المظلومية السياسية
السياسية - Friday 09 January 2026 الساعة 10:00 pm
تعز، نيوزيمن، خاص:
في اليمن الحديث، قلّما نجد مقاربة موضوعية تعكس ما عاشته محافظة تعز خلال العقد الماضي من ظلم مركّب واستهداف ممنهج، لا يقتصر على الجوانب العسكرية فحسب، بل يمتد ليشمل الأبعاد الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
فتعز ليست مجرد مدينة محاصرة، بل نموذج حيّ لما تعنيه معاناة الشعب حين يصبح الصراع السياسي عنوانًا يحجب وراءه واقع الناس اليومية، وتحول المدينة إلى حقل تجارب لمعادلات لا تراعي العدالة أو الأمن الإنساني.
عشر سنوات من الحصار تركت أثرًا بالغًا على حياة السكان؛ في الوقت الذي شهدت فيه مدن أخرى انفتاحًا نسبيًا وإمكانية عبور الخدمات والمساعدات، ظلّت تعز محاصرة بطرق رئيسية، ما حرمها من أبسط مقومات الحياة. الكهرباء انعدمت، والمياه أصبحت رفاهية، والمسافة بين المواطن واحتياجاته الأساسية تحولت إلى ميدان يومي لمخاطر متراكمة.
ولم يتوقف الظلم عند الحصار، إذ بقي المنفذ الجوي مغلقًا لعقد كامل، مما اضطر المرضى وكبار السن والطلاب وأصحاب الاحتياجات الخاصة إلى الاعتماد على طرق بديلة محفوفة بالمخاطر، تعرضت معها كرامتهم الإنسانية للانتهاك، إذ جرى التعامل مع المسافرين أحيانًا كما لو كانوا مجرمين محتملين، مجردين من الحق في التنقل الآمن.
وأيضًا، يعاني منتسبو الجيش والأمن في تعز من تفاوت صارخ في المرتبات مقارنة بنظرائهم في المحافظات الأخرى، حيث يتقاضون رواتبهم بالريال اليمني وبشكل غير منتظم، بينما يحصل غيرهم على رواتب منتظمة، بعملات مختلفة ومكافآت إضافية، ما يبرز فجوة واضحة في العدالة والمساواة، ويعكس تهميشًا مؤسسيًا واضحًا.
تعز، رغم كل هذه التحديات، استمرت في السعي للحصول على تمويلات من المانحين لدعم مشاريع تنموية، غير أن هذه الجهود اصطدمت بعراقيل متعددة، حتى بلغ الأمر حد استهداف المسؤولين الدوليين، بما في ذلك اغتيال مسؤول أممي، في رسالة واضحة عن حجم المخاطر التي تحيط بأي مسعى حقيقي لدعم المحافظة.
وفي هذا السياق، قال مصطفى نصر، رئيس مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي، في منشور له على صفحته بموقع فيسبوك، إن تعز تعرضت خلال السنوات العشر الماضية لأبشع أشكال الظلم في تاريخ اليمن الحديث، مؤكدًا أن ما عاشته المحافظة يفوق الوصف مقارنة بالمناطق الأخرى.
وأوضح نصر أن الحصار والإغلاق الجوي أجبر سكان تعز على طرق محفوفة بالمخاطر، مشيرًا إلى أن هذه المعاناة اليومية لم تكن مجرد تحديات لوجستية، بل شكلت انتهاكًا صارخًا للكرامة الإنسانية. وأضاف أن الوضع الاقتصادي والمعيشي للعسكريين والأمنيين في المحافظة يعكس تمييزًا واضحًا عن بقية المحافظات، بما في ذلك اختلاف العملة وطبيعة المرتبات والمكافآت.
وأشار نصر إلى أن جهود المدينة للحصول على تمويلات لمشاريع تنموية اصطدمت بعراقيل مقصودة، مؤكداً أن الاستهداف وصل إلى مستوى خطير تمثل في اغتيال مسؤول أممي، ما يعكس حجم التعقيدات والمخاطر المحيطة بمحاولات دعم تعز والنهوض بها.
ويجمع المراقبون على أن استمرار هذه الظروف يزيد من التحديات أمام جهود التنمية والاستقرار، ويبرز الحاجة الملحة لمبادرات عاجلة تهدف إلى رفع المعاناة عن سكان المحافظة وتوفير الخدمات الأساسية لهم بشكل مستدام، مع التأكيد على ضرورة الاعتراف بالمظلومية المركّبة التي تعيشها تعز كخطوة أولى نحو تحقيق العدالة الوطنية.
>
