إيران وتنظيم الإخوان.. تحالف استراتيجي يتجاوز الانقسام المذهبي
السياسية - منذ 3 ساعات و 50 دقيقة
عدن، نيوزيمن:
في خضم التصعيد الإقليمي الأخير وتوسع الهجمات الإيرانية على دول الخليج، عاد ملف العلاقة بين إيران وتنظيم الإخوان إلى واجهة النقاش السياسي، بما يكشف عمق التحالفات العابرة للحدود، والتي تقوم على مصالح استراتيجية مشتركة تتجاوز الاختلافات المذهبية التقليدية بين الطرفين.
وتشير التحليلات إلى أن هذا التعاون يعكس رغبة الطرفين في توسيع نفوذهم الإقليمي والسياسي، خاصة في مناطق الصراع مثل السودان ومصر، حيث يلعب الإخوان دوراً محورياً في دعم السياسات الإيرانية.
موقف إخواني تجاه الهجمات الإيرانية
وسجلت التنظيمات الإخوانية الإرهابية وأتباعها موقفاً موحداً داعماً للهجمات الإيرانية على دول الخليج، وهو ما كشف عن عمق العلاقة التي تربط الإخوان بالنظام الإيراني.
وأكد القيادي الإخواني السوداني الناجي مصطفى أن "مصير الحرب في السودان وإيران واحد"، مشدداً على ضرورة "نصرة إيران"، في تصريح يعكس الولاء الاستراتيجي لفكر النظام الإيراني، وتقديم الدعم السياسي لمبادراته الإقليمية.
ويُظهر هذا الموقف أن الإخوان ينظرون إلى إيران ليس فقط كشريك إقليمي، بل كقدوة في استغلال الدين والسياسة لتحقيق أهداف استراتيجية، ما يعزز قدرتهم على توسيع نفوذهم في السودان ودول أخرى.
وفي المقابل، اعتبر أنور قرقاش المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات أن الأزمات تكشف النوايا الحقيقية تجاه دول الخليج، مشيراً إلى أنه لا يُتوقع موقفاً متضامناً من جماعات كالإخوان، التي تختار الصمت أو التبرير لحظة الشدائد، مؤكداً أن العدوان الإيراني الحالي اختبارٌ لإظهار الولاء للمنطقة واستقرارها.
ويشير قرقاش إلى أن مثل هذه التصريحات تكشف عن التحدي المستمر أمام دول الخليج في التمييز بين الحلفاء الحقيقيين والمستفيدين من الفوضى الإقليمية لتحقيق مصالحهم الخاصة.
وفي هذا السياق، يرى الكاتب والمفكر السياسي الدكتور رضوان السيد، أن العلاقة بين الجانبين ليست مجرد تحالف ظرفي، بل تمتد إلى "اتصال فكري موثق" يعود إلى ما قبل الثورة الإيرانية عام 1979.
واستذكر السيد لقاء جمعه بالمرشد الإيراني، قائلاً: "قال لي إن الإمام الخميني كان يطلب منا في الستينات ترجمة كتب الإخوان إلى الفارسية، وكان نصيبي أن أترجم كتب سيد قطب، ومنها معالم في الطريق وجزء من في ظلال القرآن. استفدنا كثيراً في فقه الدولة من الإخوان".
الإخوان وإيران صفاً واحداً
ويؤكد الباحث في شؤون الجماعات الإرهابية، منير أديب، بحسب تصريحاته لسكاي نيوز عربية أن جماعات الإخوان انحازت بشكل كامل لإيران في هجماتها الأخيرة على دول الخليج. وقال أديب إن "هناك اتفاقاً إيديولوجياً وعلاقة فكرية بين الإخوان وإيران، وأهدافهم تتوافق مع بعضهم البعض، كما أن أغلب الميليشيات المسلحة التابعة للإخوان مدعومة مادياً ولوجستياً من إيران".
وأشار أديب إلى أن التحالف بين الجيش السوداني والإخوان يظهر كيف يتم تصوير الحرب بين إيران والولايات المتحدة بطريقة منحازة للخطاب الإيراني، ما يعكس انسجاماً في الاستراتيجيات والأهداف بين الطرفين. ويؤكد أديب أن هذا التحالف يعزز قدرة الإخوان على المناورة السياسية في السودان، ويتيح لهم الاستفادة من الدعم العسكري الإيراني لتثبيت وجودهم، خصوصاً في المناطق التي تكتسب أهمية استراتيجية ضمن المخطط الإقليمي لطهران.
وتعود أواصر التقارب بين إيران والإخوان إلى ما قبل الثورة الإيرانية عام 1979، إذ تأثر بعض الإسلاميين الإيرانيين بأفكار مفكري الإخوان مثل حسن البنا وسيد قطب. فقد زار مؤسس "فدائيي الإسلام" الإيراني مجتبى ميرلوحي (نواب صفوي) مصر عام 1939 والتقى حسن البنا، وأشاد بتجربة الإخوان، مما مهد لتبادل فكري مستمر.
كما ترجم المرشد الإيراني علي خامنئي بعض كتب سيد قطب، ومنها "معالم في الطريق"، لتستفيد طهران من أفكار الإخوان في صياغة فقه الدولة، مع التركيز على مفهوم "حاكمية الله" كأساس للحكم، والطموح إلى إقامة دولة إسلامية عابرة للحدود، والعداء المشترك للولايات المتحدة وإسرائيل.
ويشير الخبراء إلى أن هذه الجذور الفكرية شكلت قاعدة لبناء شبكات تعاون متعددة المستويات، تشمل التدريب العسكري، وتبادل الخبرات التنظيمية، وإدارة الحملات الإعلامية التي تخدم مصالح الطرفين.
جذور العلاقة التاريخية
ويضيف الباحث منير السيد: "قدمت طهران مسألة الدولة على مسألة الدين"، مشيراً إلى أن فكرة "الحاكمية" لدى سيد قطب وأبو الأعلى المودودي شكلت أرضية مشتركة مع نظرية "ولاية الفقيه"، ما أوجد تقاطعاً بنيوياً بين المشروعين، قوامه أولوية السيطرة على الدولة كأداة لفرض التصور الأيديولوجي.
ويؤكد السيد: "لا ينبغي أن نشدد فقط على مسألة الاختلاف المذهبي، لأن المقدمة عند الطرفين ليست التفكير الديني التقليدي، بل الاستيلاء على الدولة وتغيير بنيتها".
ومن جانبه، يعتبر عضو الهيئة القيادية لتحالف تأسيس، أسامة سعيد، أن العلاقة بين الإخوان في السودان وإيران "علاقة قديمة ومتجذرة"، بدأت قبل قيام الثورة الإيرانية، وتطورت بشكل ملحوظ بعد وصول نظام عمر البشير المدعوم من الإخوان إلى السلطة عام 1989.
وقال سعيد بحسب تصريحات لسكاي نيوز عربية: "توطدت هذه العلاقة بدءاً من العام 1991 مع زيارة الرئيس الإيراني الأسبق رفسنجاني إلى السودان وتوقيع اتفاق أمني عسكري، ومنذ ذلك الوقت بدأ التعاون العسكري والأمني بشكل واسع". وأضاف أن طهران "ساهمت في بناء منظومات تصنيع عسكري في السودان"، معتبراً أن هذا التنسيق يعكس "تكاملاً بين جناحين من الإسلام السياسي، أحدهما سني والآخر شيعي، يتفقان على فكرة الدولة الدينية".
وفي سياق الحرب الراهنة، يرى سعيد أن ما يجري في إيران سيكون له تداعيات مباشرة على الداخل السوداني، قائلاً: "هذا المحور يشترك في مصير واحد، وأي تراجع يصيب إيران سينعكس على أذرعها، ومن بينها الحركة الإسلامية في السودان". ويعكس هذا التحليل كيف يمكن للأحداث الإيرانية أن تعيد رسم المشهد السياسي والأمني في الدول التي تتأثر بالشبكة الإخوانية، ما يضع الأمن الوطني في السودان أمام تحديات مباشرة.
منظور قانوني واستراتيجي
بدوره، شدد أستاذ القانون الدولي في الجامعة الأميركية في الإمارات، الدكتور عامر فاخوري، على أن جوهر التقارب بين إيران والإخوان يكمن في أولوية "التنظيم" على حساب "الدولة". وقال: "الفكر التنظيمي عابر للحدود، وعندما يحدث تعارض بين مصلحة الدولة ومصلحة التنظيم، تُعطى الأولوية للتنظيم".
وأوضح فاخوري أن الدولة الحديثة تقوم على أعمدة السيادة ووحدة السلاح والولاء الوطني، بينما "الفكر التنظيمي يرفض هذه المرتكزات إذا تعارضت مع مشروعه"، مضيفاً: "الدولة تقول إن مصلحة الوطن فوق الجميع، أما التنظيم فيقول إن مصلحة التنظيم فوق الجميع". ويشير هذا إلى أن التحالف بين إيران والإخوان لا يقتصر على أيديولوجيا مشتركة، بل يمتد ليشمل الأولويات الاستراتيجية التي تسمح بتجاوز الدولة الوطنية أحياناً لتحقيق أهداف التنظيم.
ويرى فاخوري أن هذا النهج أفضى في بعض التجارب إلى إضعاف مؤسسات الدولة وإدخالها في دوامات صراع داخلي، معتبراً أن التحالفات العابرة للحدود "تتقدم على مفهوم الدولة الوطنية".
وفي ضوء التطورات الإقليمية، يشير رضوان السيد إلى أن ما يسميه "محور الأذرع" واجه تحديات استراتيجية خلال العامين الأخيرين، معتبرًا أن تقديرات طهران بإمكانية إحداث توازن جديد في المنطقة عبر شبكة حلفائها "لم تتحقق كما كان يُعتقد". وأضاف: "أظن أن هناك سوء تقدير استراتيجي حصل، باعتقاد أن هذه الأذرع قادرة على فرض توازن جديد في المنطقة، لكن التطورات أظهرت حدود هذه القدرة".
وفي المقابل، يؤكد فاخوري أن عدداً متزايداً من الدول بات يتجه إلى سن تشريعات لمواجهة التنظيمات العابرة للحدود، مشيراً إلى أن "الكثير من الدول العربية وضعت الإخوان على قوائم الإرهاب ومنعت نشاطاتهم". ويعكس ذلك تصاعد الضغط الإقليمي والدولي على تحركات الإخوان، ما قد يؤدي إلى إعادة ترتيب أولوياتهم داخل الشبكة الإقليمية التي يدعمها إيران.
تحالف المصالح: براغماتية تفوق المذهبية
يرى الخبراء أن العلاقة بين إيران والإخوان أقرب إلى "تحالف ضرورة" براغماتي، يعتمد على المصالح المشتركة والسيطرة على الدولة كأداة لتحقيق الأهداف الأيديولوجية. وتستمر هذه العلاقة في التكيف مع التحديات، مستفيدة من تلاقي المصالح رغم التباينات المذهبية، لكنها تواجه ضغوطاً متزايدة في ظل العقوبات الدولية وتصنيف فروع الإخوان في عدة دول على قوائم الإرهاب.
ويضيف المراقبون أن هذا التحالف يمنح إيران القدرة على تصدير نفوذها السياسي والعسكري في المنطقة، بينما يكسب الإخوان دعماً إقليمياً يساعدهم على تعزيز حضورهم في الساحة السياسية والأمنية، خصوصاً في السودان ومصر. ويعتبر هذا التحالف نموذجاً لكيفية استخدام المصالح المشتركة كغلاف للمرونة الاستراتيجية، ما يسمح للطرفين بالتحرك في مناطق الصراع دون مواجهة مباشرة مع القوى الكبرى، مع الحفاظ على حد أدنى من التماسك التنظيمي والسياسي.
والتوافق بين الطرفين يثير مخاوف إقليمية ودولية من تعزيز نفوذ الإسلام السياسي الراديكالي، ويجعل هذا الملف محور متابعة دائمة في ضوء التحولات الإقليمية. كما أن استمرار الهجمات الإيرانية وارتباطها بدعم الإخوان قد يعيد رسم موازين القوى في الخليج والشرق الأوسط، ويعقد جهود الدول العربية والغربية في مواجهة ما يُعرف بـ"محور المقاومة".
وتشير التحليلات إلى أن العلاقة بين إيران والإخوان مثال حي على كيفية تجاوز الخلاف المذهبي لصالح المصالح الاستراتيجية المشتركة، ما يجعل هذا التحالف عنصراً محورياً لفهم التحولات السياسية والأمنية في المنطقة خلال السنوات المقبلة.
ويؤكد الخبراء أن مراقبة هذه العلاقة أصبحت أولوية لكل الجهات الفاعلة، إذ أن أي تصعيد أو تراجع في أي طرف من الطرفين سينعكس مباشرة على استقرار المنطقة، ويزيد من تعقيد ملفات الصراع في الشرق الأوسط.
>
