من المرتفعات إلى الممرات البحرية.. قراءة في استراتيجية الحوثيين بتهامة

السياسية - منذ 9 ساعات و 35 دقيقة
الحديدة، نيوزيمن:

أكد تحليل نشره منتدى الشرق الأوسط إلى أن التحركات العسكرية التي تنفذها ميليشيا الحوثيون على امتداد ساحل تهامة، لم تعد مجرد اشتباكات ميدانية محدودة، بل باتت جزءًا من استراتيجية سياسية وعسكرية منسقة تهدف إلى تعزيز النفوذ قرب واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، وهو مضيق باب المندب.

وبحسب التحليل الذي أعده الكاتب السياسي اليمني ورئيس مؤسسة تهامة للحقوق والحريات عبد المجيد زوباه، فإن التصعيد الأخير تزامن مع اتساع رقعة التوترات الإقليمية منذ اندلاع المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث امتدت تداعيات الصراع إلى السواحل اليمنية المطلة على البحر الأحمر، وصولًا إلى مناطق قريبة من باب المندب.

وأوضح التحليل أن الحوثيين كثفوا هجماتهم على مواقع قوات مقاومة تهامة الموالية للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، مستهدفين مواقع على طول الشريط الساحلي، من بينها مناطق ذات أهمية استراتيجية مثل جبل رأس، الذي يوفر نقاط مراقبة مرتفعة تتيح إشرافًا واسعًا على الطرق المؤدية جنوبًا نحو الخوخة والمخا وصولًا إلى مضيق باب المندب.

ويُعد مضيق باب المندب أحد أهم الممرات البحرية عالميًا، حيث يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي ويشكّل المدخل الجنوبي لقناة السويس، وتمر عبره نسبة تتراوح بين 10 إلى 12% من حركة التجارة البحرية العالمية، بما في ذلك شحنات النفط القادمة من منطقة الخليج باتجاه الأسواق الأوروبية، الأمر الذي يجعل أي اضطراب فيه ذا تأثير مباشر على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.

وأشار التحليل إلى أن الاشتباكات بين الحوثيين وقوات مقاومة تهامة باتت شبه يومية، غير أن الهجمات التي تزامنت مع عيد الفطر مثّلت تصعيدًا ملحوظًا، في ظل قيام الحوثيين بتحصين مواقعهم في المرتفعات ونشر منصات صواريخ وطائرات مسيّرة، ما عزز قدرتهم على المراقبة والاستهداف على امتداد الطرق الساحلية الحيوية.

وتبرز أهمية مناطق مثل الخوخة، التي تُعد مركزًا للقوات الحكومية، نظرًا لكونها نقطة انطلاق للطريق الساحلي الممتد جنوبًا نحو المخا وباب المندب، في حين تمثل مديرية حيس خط تماس مهم، رغم أنها لا تطل مباشرة على المضيق، إلا أن أي تغيّر في السيطرة عليها قد يفتح المجال أمام الحوثيين للتقدم نحو مناطق أقرب للممر الملاحي الحيوي.

وفي سياق متصل، رصد التحليل تزامنًا بين التصعيد العسكري ومواقف سياسية لافتة، حيث صدرت تهديدات من مسؤولين إيرانيين بإمكانية إغلاق باب المندب، بالتوازي مع بيانات منسوبة لجهات خاضعة لسيطرة الحوثيين، حذرت من أي تدخلات عسكرية أجنبية أو توسيع نطاق العمليات، مؤكدة استعدادها للرد على أي تحركات تُعد معادية، وهو ما اعتبره التحليل مؤشرًا على تنسيق في الخطاب السياسي بين الحوثيين وإيران.

ويرى التحليل أن هذا التزامن بين التصعيد الميداني والمواقف السياسية يعكس انتقال التحركات في ساحل تهامة من كونها عمليات تكتيكية محلية إلى جزء من رؤية أوسع ذات أبعاد إقليمية، تهدف إلى تعزيز أوراق الضغط المرتبطة بالممرات البحرية الاستراتيجية.

ولفت إلى أن نهج الحوثيين تجاه باب المندب كان يتسم بالحذر خلال السنوات الماضية، لا سيما خلال العمليات الدولية التي استهدفت حماية الملاحة البحرية، حيث اقتصرت هجماتهم آنذاك على استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة دون التقدم بريًا نحو المناطق المحررة على الساحل الغربي.

غير أن المعطيات الحالية، وفق التحليل، تشير إلى تغير في هذا النهج، من خلال سعي الحوثيين إلى تعزيز وجودهم في المرتفعات القريبة من المضيق، ونشر قدرات عسكرية تمكنهم من توسيع نطاق التأثير، سواء عبر المراقبة أو الاستهداف المباشر للطرق الساحلية والممرات الحيوية.

ويعتمد هذا التوجه، بحسب التحليل، على تقديرات عسكرية مفادها أن بعض القوى الإقليمية، وعلى رأسها السعودية، قد تتجنب الانخراط المباشر في دعم العمليات العسكرية على الساحل الغربي، ما يمنح الحوثيين هامشًا للتحرك وتثبيت مواقعهم قبل أي توسع محتمل في رقعة المواجهة.

كما أشار إلى أن أي تغيّر في موازين السيطرة على المناطق المطلة على المرتفعات الساحلية، خاصة في محيط جبل رأس أو الطرق المؤدية إلى الخوخة والمخا، قد ينعكس بشكل مباشر على أمن الملاحة في باب المندب، نظرًا لإمكانية استخدام تلك المواقع كنقاط إطلاق لصواريخ أو طائرات مسيّرة تستهدف السفن.

ويؤكد التحليل أن قوات مقاومة تهامة والقوات الحكومية لا تزال تمثل خط الدفاع الرئيسي أمام أي تقدم محتمل للحوثيين نحو المضيق، حيث ساهم صمودها في الحفاظ على توازن ميداني حال دون تحقيق اختراقات استراتيجية حتى الآن، وأبقى باب المندب مفتوحًا أمام حركة الملاحة الدولية.

واختتم التحليل بالتأكيد على أن مستقبل الوضع في الساحل الغربي لليمن، ومصير مضيق باب المندب، سيتوقف بدرجة كبيرة على استمرار هذا التوازن الميداني، إلى جانب الدعم الإقليمي والدولي، والتطورات السياسية والعسكرية في المنطقة، في ظل سعي أطراف الصراع إلى تعزيز مواقعها ضمن مشهد جيوسياسي متشابك ومتغير.