تحليل: الصين تتقدم في وساطات الشرق الأوسط بدافع الطاقة
السياسية - منذ 5 ساعات و 48 دقيقة
واشنطن، نيوزيمن، ترجمة:
أكد تحليل نشرته مجلة ناشونال إنترست أن تصاعد انخراط الصين في جهود التهدئة بالشرق الأوسط يعكس بشكل مباشر اعتمادها المتزايد على واردات الطاقة، إلى جانب سعيها لإدارة التوترات الاقتصادية العالمية وإعادة ضبط علاقاتها المعقدة مع الولايات المتحدة.
وبحسب التحليل الذي أعدّه الخبير في الشؤون الاقتصادية الدولية سكوت ب. ماكدونالد، فإن بكين باتت تنظر إلى استقرار منطقة الخليج العربي باعتباره مسألة أمن قومي ترتبط بشكل وثيق بسلاسل الإمداد الحيوية، خاصة النفط والغاز الطبيعي المسال، وليس مجرد ملف دبلوماسي أو سياسي تقليدي.
انخراط صيني متزايد في ملفات الإقليم
يشير التحليل إلى أن الصين، التي انتقدت العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران خلال السنوات الماضية، التزمت لفترة طويلة بموقف الحياد في عدد من المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك المفاوضات التي جرت في إسلام آباد، قبل أن تتجه مؤخراً إلى لعب دور أكثر فاعلية في هذه الجهود.
وفي مطلع أبريل، دخلت بكين بشكل رسمي في محادثات إقليمية بمشاركة دول مثل السعودية وتركيا ومصر، حيث برز دورها في التوسط لتهدئة محدودة بين إيران والولايات المتحدة، في مؤشر على تحول في سياستها الخارجية نحو دبلوماسية أكثر نشاطاً في ملفات الأمن الإقليمي.
ورغم التقديرات التي تفيد بأن الصين قد لا تكون معنية بانحياز واضح في الصراع بين واشنطن وطهران، فإن التحليل يرى أن بكين تمتلك دوافع قوية لمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة واسعة، نظراً لاعتمادها الكبير على الطاقة القادمة من الشرق الأوسط.
ووفقاً لبيانات مركز سياسات الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، فإن الصين استوردت في عام 2025 نحو نصف احتياجاتها من النفط الخام، وثلث وارداتها من الغاز الطبيعي المسال من الشرق الأوسط. وتظل السعودية والعراق وإيران من أبرز مصادر الإمداد النفطي لبكين.
كما أشار التحليل إلى تقديرات شركة التحليلات "كيبلر" التي تفيد بأن الصين استوردت نحو 1.38 مليون برميل يومياً من النفط الإيراني في عام 2025، ما يجعلها أكبر مستورد للنفط الإيراني، حيث تستحوذ على نحو 90% من صادرات طهران النفطية.
ويرى الخبير في الشؤون الاقتصادية الدولية سكوت ب. ماكدونالد أن أي اضطراب في الملاحة عبر مضيق هرمز أو استهداف منشآت الطاقة في الخليج، لا يُعد مجرد تهديد اقتصادي عابر بالنسبة للصين، بل مسألة أمن قومي مباشر.
مخاوف من اضطرابات الإمدادات
يحذر التحليل من أن استمرار التوترات في الخليج قد يدفع بكين إلى إعادة النظر في سياساتها الطاقية، بما في ذلك زيادة الاعتماد على الفحم وتسريع التحول نحو الطاقة المتجددة، إلى جانب تعزيز مخزوناتها الاستراتيجية.
وبحسب بيانات شركة "كيبلر"، تمتلك الصين مخزوناً نفطياً يُقدّر بنحو 1.2 مليار برميل، يكفي لتغطية استهلاكها لمدة تقارب أربعة أشهر، إلا أن هذا المخزون لا يوفر حماية طويلة الأمد في حال تصاعد الأزمات الإقليمية.
كما لفت التحليل إلى أن الصين بدأت بالفعل في تعزيز احتياطاتها النفطية ضمن خطتها الخمسية الجديدة التي تبدأ عام 2026، من خلال توسيع قواعد التخزين الوطنية.
ويربط التحليل بين الانخراط الصيني في ملفات الشرق الأوسط وبين التحديات الاقتصادية الداخلية، حيث تواجه بكين تباطؤاً في النمو، وأزمة في قطاع العقارات، وارتفاعاً في معدلات بطالة الشباب، إضافة إلى ضغوط على القطاع الخاص، وهي عوامل تجعل استقرار أسواق الطاقة الخارجية أولوية قصوى.
وفي المقابل، يشير التقرير إلى أن استمرار التوترات التجارية مع الولايات المتحدة، وتراجع حجم الصادرات الصينية من 536 مليار دولار في 2022 إلى نحو 309 مليارات دولار في 2025، يزيد من حاجة بكين إلى أسواق مستقرة في الشرق الأوسط لتعويض جزء من هذا التراجع.
البعد الأمريكي–الصيني في مسار السلام
يرى التحليل أن التحرك الصيني في ملفات السلام لا ينفصل عن مساعي إعادة ضبط العلاقات مع الولايات المتحدة، خصوصاً مع اقتراب قمة مرتقبة بين الرئيسين شي جين بينغ ودونالد ترامب في مايو 2026.
ومن المتوقع أن تشمل أجندة القمة ملفات شائكة مثل التجارة، وتايوان، والمعادن النادرة، والنفوذ الجيوسياسي في أمريكا اللاتينية، وهي قضايا تزيد من تعقيد العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم.
ويشير التحليل إلى أن تهدئة التوترات في الشرق الأوسط قد تسهم في تهيئة أجواء أكثر استقراراً لهذه القمة، وتقلل من الضغوط الاقتصادية العالمية المرتبطة بأسعار الطاقة والتضخم.
وبحسب تحليل الخبير في الشؤون الاقتصادية الدولية سكوت ب. ماكدونالد أن انخراط الصين في جهود التهدئة الإقليمية لا يعكس تحولاً جذرياً في سياستها الخارجية بقدر ما يعكس "دبلوماسية الطاقة"، حيث تسعى بكين إلى حماية مصالحها الاقتصادية الحيوية، وضمان تدفق مستقر للنفط والغاز، وتجنب أي اضطرابات قد تؤثر على اقتصادها الداخلي.
وفي الوقت ذاته، يرى التحليل أن هذا الدور يمنح الصين فرصة لتعزيز حضورها الدولي كقوة وسيطة، دون الدخول في مواجهات عسكرية مباشرة، مع الحفاظ على توازن حساس في علاقاتها مع الولايات المتحدة ودول الشرق الأوسط.
>
