تنقيب عشوائي عن الذهب في جبال المكلا.. والسلطة تطلق تحذير عاجل

الجنوب - منذ 3 ساعات و 56 دقيقة
المكلا، نيوزيمن، خاص:

تشهد المناطق الجبلية غرب مدينة المكلا، مركز محافظة حضرموت، منذ يناير الماضي، تصاعداً غير مسبوق في عمليات التنقيب العشوائي عن الذهب، في ظل غياب الرقابة الرسمية واتساع نفوذ الجماعات القبلية، ما حوّل تلك المناطق إلى بؤر مفتوحة لاستخراج المعادن بطرق بدائية وخارجة عن القانون.

وتركزت هذه الأنشطة بشكل لافت في مديرية بروم ميفع، خصوصاً في مناطق قبائل المحمديين ووادي المسيني، حيث باتت الجبال الوعرة مسرحاً لعمليات حفر وتجريف واسعة، ينفذها مواطنون مدفوعون بآمال تحقيق مكاسب سريعة، إلى جانب شخصيات قبلية نافذة فرضت سيطرتها على أجزاء من هذه المواقع.

بحسب شهادات محلية، دفعت الظروف المعيشية الصعبة وندرة فرص العمل كثيراً من السكان إلى ترك وظائفهم والانخراط في أعمال التنقيب، رغم مخاطرها.

ويقول أحد أبناء قبيلة المحمديين إن دخله تضاعف بشكل كبير بعد انتقاله من عمله السابق في مصنع لتعبئة المياه إلى التنقيب عن الذهب، مشيراً إلى أن عمليات الحفر قد تصل إلى أعماق تتجاوز خمسة أمتار لاستخراج الأحجار الحاوية على المعدن، والتي تُنقل لاحقاً إلى أسواق الذهب في المكلا وبيعها دون معالجة.

ويعكس هذا التحول، وفق مراقبين، اقتصاداً موازياً يتشكل خارج الأطر الرسمية، قائم على استغلال الموارد الطبيعية بشكل غير منظم، في ظل ضعف البدائل الاقتصادية.

في المقابل، تشير مصادر محلية إلى أن بعض المواقع تحولت إلى "مناطق مغلقة" تسيطر عليها شخصيات قبلية، حيث يتم منع الاقتراب منها بالقوة، مع انتشار مسلحين يطلقون النار على أي شخص يحاول الدخول دون إذن. وتؤكد المصادر أن هذه الجهات تدّعي ملكيتها للذهب في تلك الجبال، ما يخلق واقعاً جديداً من تقاسم النفوذ والثروة خارج سلطة الدولة، ويزيد من احتمالات نشوب نزاعات مسلحة بين المجموعات المحلية.

ويربط متابعون تنامي هذه الأنشطة بالفراغ الأمني والعسكري الذي أعقب انسحاب قوات لواء بارشيد من تلك المناطق الجبلية، والتي كانت سابقاً تفرض رقابة وتمنع عمليات التنقيب غير القانونية. ومع خروج هذه القوات عقب الأحداث الأخيرة، عادت عمليات التنقيب بوتيرة متسارعة، مستفيدة من غياب الردع، في مناطق يُعتقد منذ سنوات أنها غنية بالمعادن، وعلى رأسها الذهب.

بالتوازي، برزت شبكات وساطة تعمل على شراء الأحجار المحتوية على الذهب من المنقبين بأسعار منخفضة، مستغلة ضعف خبرتهم في تقييم المعادن. وتشير مصادر إلى أن هؤلاء السماسرة يبررون انخفاض الأسعار بوجود شوائب في الأحجار، قبل إعادة بيعها لتجار أو عبر محلات الصاغة في المكلا بأسعار أعلى، ما يعكس سلسلة غير عادلة من الاستغلال داخل هذا النشاط.

كما لوحظ دخول تجار من خارج المحافظة إلى السوق المحلية، مستفيدين من الفوضى الحالية لشراء كميات من الخام بأسعار زهيدة.

في هذا السياق، أطلقت هيئة المساحة الجيولوجية والثروات المعدنية في حضرموت تحذيرات شديدة من تصاعد التنقيب العشوائي عن المعادن الفلزية، وعلى رأسها الذهب والفضة والنحاس، في عدد من المواقع الطبيعية. ووصفت الهيئة هذه الأنشطة بأنها "نهب ممنهج" يهدد الاقتصاد الوطني، ويؤدي إلى استنزاف الثروات الطبيعية دون أي عائد حقيقي للدولة، فضلاً عن تدمير البيئة والتضاريس الجبلية.

وأكدت أن هذه الموارد تُعد أصولاً سيادية، وأن استغلالها دون تراخيص رسمية يُعد مخالفة قانونية جسيمة، قد تعرض مرتكبيها لعقوبات تشمل السجن وغرامات مالية كبيرة. ودعت الهيئة إلى تدخل عاجل من القوات الأمنية والعسكرية لوقف ما وصفته بـ"العبث"، خصوصاً في مناطق ظلومة ووادي مدن ووادي المسيني، مع ضرورة ضبط المخالفين ومصادرة معداتهم.

ويرى خبراء أن عمليات الحفر العشوائي قد تؤدي إلى أضرار بيئية خطيرة، تشمل انهيارات أرضية، وتدمير الغطاء النباتي، وتلوث التربة، خاصة في ظل غياب أي معايير فنية أو إشراف هندسي. كما أن استخدام وسائل بدائية في الاستخراج قد يسبب خسائر كبيرة في الموارد نفسها، نتيجة عدم القدرة على فصل المعادن بشكل علمي، ما يؤدي إلى إهدار جزء كبير من الثروة.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا النشاط دون تنظيم قد يفتح الباب أمام صراعات قبلية على النفوذ والمواقع الغنية بالذهب، خصوصاً مع تزايد العوائد المالية وغياب الدولة. كما قد يؤدي ذلك إلى ترسيخ اقتصاد غير رسمي يعزز الفوضى ويقوض فرص التنمية المستدامة، في محافظة تُعد من أغنى مناطق اليمن بالموارد الطبيعية.

وبينما يرى بعض السكان في التنقيب فرصة لتحسين أوضاعهم المعيشية، تؤكد الجهات الرسمية أن استمرار هذا النشاط بشكل عشوائي سيحرم حضرموت من استثمارات حقيقية كان يمكن أن توفر فرص عمل مستدامة وعوائد اقتصادية كبيرة.

ويبقى مستقبل هذه الثروة مرهوناً بقدرة السلطات على استعادة السيطرة وتنظيم القطاع، بما يحقق التوازن بين الاستفادة الاقتصادية وحماية الموارد للأجيال القادمة.