الحارس القضائي الحوثي.. إمبراطورية نهب تدير مليارات الريالات
السياسية - منذ 10 ساعات و 43 دقيقة
صنعاء، نيوزيمن، خاص:
تحوّل ما يسمى بـ"الحارس القضائي" التابع لمليشيا الحوثي، خلال السنوات الأخيرة، من إجراء استثنائي محدود الصلاحيات إلى واحدة من أخطر أدوات السيطرة الاقتصادية والسياسية في مناطق الجماعة، بعدما بات يدير إمبراطورية مالية ضخمة قائمة على مصادرة الممتلكات الخاصة والاستحواذ على الشركات والعقارات والأرصدة البنكية تحت غطاء قضائي شكلي.
مشهد واضح يعكس كيف أُعيد تشكيل الاقتصاد في مناطق الحوثيين على قاعدة النهب والإقصاء وإحلال شبكات الولاء محل مؤسسات الدولة والقانون. جيث تكشف بيانات وتقارير حديثة أن الجهاز الذي أنشأته الجماعة تحت مسمى "الحارس القضائي" يدير اليوم ما بين 60 و70 مليار ريال من الأموال والأصول المنهوبة، فيما تخضع لسيطرته أكثر من ألف شركة ومنشأة وعقار تمت مصادرتها أو التحفظ عليها، وتحويل عائداتها لصالح الجماعة ومجهودها الحربي.
ووفقاً لأحدث بيانات مبادرة "ريجين يمن" Regain Yemen حتى مطلع عام 2026، فإن عمليات المصادرة الحوثية لم تعد تقتصر على خصوم سياسيين أو شخصيات مرتبطة بالحكومة الشرعية، بل اتسعت بصورة ممنهجة لتشمل أكثر من 1250 منشأة اقتصادية وتعليمية وطبية، إضافة إلى استهداف أكثر من 1200 شخصية من رجال الأعمال والسياسيين عبر تجميد حساباتهم البنكية والاستيلاء على ممتلكاتهم الخاصة، بقيمة إجمالية تتجاوز ملياري دولار.
وتعكس هذه الأرقام، بحسب مراقبين، حجم التحول الذي طرأ على بنية الاقتصاد في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث لم تعد الجماعة تعتمد فقط على الجبايات والإيرادات التقليدية، بل بنت منظومة مالية موازية قائمة على تفكيك القطاع الخاص وإعادة توزيع الثروة لصالح شبكة ضيقة من القيادات والمشرفين المرتبطين بها.
ويرى اقتصاديون أن الجماعة استخدمت "الحارس القضائي" كأداة لإضفاء طابع قانوني زائف على عمليات النهب والاستحواذ، عبر تحويل القضاء من سلطة يفترض أن تحمي الملكية الخاصة والحقوق المدنية إلى واجهة تستخدم لتصفية الخصوم والسيطرة على الأصول الاقتصادية.
فمنذ مارس 2018، حين أنشأت الجماعة ما سمته "لجنة حصر واستلام ممتلكات الخونة"، بدأت عملية ممنهجة لتوسيع صلاحيات المصادرة، قبل أن تتحول لاحقاً إلى مؤسسة أكثر تنظيماً تحت مسمى "الحارس القضائي"، الذي مُنح صلاحيات واسعة لإدارة الأصول المصادرة والتحكم بعائداتها.
ويقود هذه المنظومة القيادي الحوثي صالح محمد حسين دبيش، الذي فرضت عليه وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات بسبب دوره في الاستحواذ على ممتلكات المعارضين والمؤسسات الخاصة، خلفاً للقيادي الحوثي صالح مسفر الشاعر، الذي ارتبط اسمه بواحدة من أكبر حملات المصادرة التي شهدتها مناطق سيطرة الجماعة.
لكن الأخطر – بحسب متابعين – لا يتمثل فقط في حجم الأموال المنهوبة، بل في طبيعة البنية التي نشأت حول "الحارس القضائي"، والتي حولت الاقتصاد إلى منظومة مغلقة تخضع لاعتبارات الولاء السياسي والطائفي، بدلاً من قواعد السوق والقانون.
فالجماعة لم تكتفِ بالسيطرة على مؤسسات الدولة وإيراداتها، بل عمدت إلى تفكيك ما تبقى من القطاع الخاص المستقل، بدءاً من قطاع الاتصالات الذي تحول إلى أحد أهم مصادر التمويل الحربي، مروراً باحتكار تجارة المشتقات النفطية والسوق السوداء، وصولاً إلى الاستحواذ على المستشفيات والجامعات والشركات التجارية والعقارات الخاصة.
ويصف مراقبون ما يحدث بأنه "اقتصاد حرب مغلق"، تُستخدم فيه أدوات القضاء والإدارة والجباية لإعادة هندسة المجتمع اقتصادياً، بحيث تصبح الثروة والنفوذ حكراً على شبكات مرتبطة بالجماعة، فيما يُدفع المستثمرون ورجال الأعمال المستقلون إلى الهجرة أو الخضوع أو خسارة ممتلكاتهم.
وفي هذا السياق، فجّرت حادثة فرار أحد الحراس القضائيين في صنعاء بملايين الريالات فضيحة جديدة كشفت حجم الفساد والتسيب داخل هذه المنظومة.
فبحسب مصادر مطلعة، كان الحارس القضائي المُعيّن من قبل محكمة خاضعة للحوثيين يدير إيرادات تركة عائلية ضخمة على خلفية نزاع قضائي، قبل أن يختفي حاملاً نحو 50 مليون ريال من أموال القضية وقضايا أخرى، بعد سنوات من تحصيل أتعاب شهرية ضخمة تجاوزت في بعض الأحيان حقوق الورثة أنفسهم.
الحادثة لم تُظهر فقط فساد الأفراد، بل كشفت طبيعة المنظومة التي تعمل بلا رقابة أو مساءلة، حيث أشارت المعلومات إلى أن المحكمة نفسها تنصلت من المسؤولية، وحاولت تحميل الضحايا تبعات الأموال المختلسة، في مشهد يعكس كيف أصبح القضاء جزءاً من شبكة الاستحواذ بدلاً من أن يكون جهة لحماية الحقوق.
كما كشفت الواقعة عن ممارسات تثير شبهات تضارب مصالح وفساد منظم، بينها تعيين الحارس القضائي من قبل قاضٍ يعمل لديه أمين سر، إضافة إلى تعطيل متعمد لمسار القضية واحتجاز مشروع الحكم لعام كامل، مع الإبقاء على اسم الحارس الهارب ضمن مسودة الحكم بما يسمح له بالاستمرار شكلياً في مهامه.
ويرى حقوقيون أن هذه القضية ليست حادثة معزولة، بل نموذجاً مصغراً لطبيعة عمل "الحارس القضائي"، الذي تحول – بحسب وصفهم – إلى "دولة داخل الدولة"، تمتلك سلطة السيطرة على الممتلكات وإدارتها وتحويل عائداتها بعيداً عن أي رقابة قانونية أو مؤسسية.
واللافت أن الانتقادات لم تعد تقتصر على خصوم الجماعة، بل بدأت تظهر حتى من شخصيات محسوبة على الحوثيين أنفسهم، حيث استنكر الناشط الحوثي حسين حيدر الحدي استمرار الغموض الذي يحيط بعمل هذا الجهاز، متسائلاً عن لائحته التنظيمية والجهة التي يتبعها، بعد أكثر من عشر سنوات من السيطرة على ممتلكات المواطنين.
وأشار الحدي إلى أن مهام الحارس القضائي يفترض أن تكون مؤقتة، بينما تحول عملياً إلى كيان دائم يحتفظ بالأصول والعقارات ويشغلها ويستفيد من عائداتها دون أي إطار مؤسسي واضح، في اعتراف ضمني بحجم الفوضى القانونية التي تحكم هذا الملف.
من جهته، اتهم السياسي والكاتب محمد المقالح الجماعة بالاستيلاء على آلاف البيوت والأراضي تحت غطاء "الحارس القضائي"، معتبراً أن القضاء في مناطق الحوثيين فقد استقلاليته وتحول إلى أداة تستخدم لإضفاء الشرعية على عمليات النهب.
ويحذر اقتصاديون من أن استمرار هذه السياسات سيقود إلى مزيد من الانهيار الاقتصادي في مناطق سيطرة الحوثيين، مع تآكل الثقة بالمنظومة القضائية وغياب أي ضمانات لحماية الملكية الخاصة، الأمر الذي أدى بالفعل إلى هروب رؤوس الأموال وتراجع الاستثمار وتوسع الاقتصاد غير الرسمي.
كما يؤكد مراقبون أن أخطر ما أنتجته هذه المنظومة ليس فقط مصادرة الممتلكات، بل ترسيخ نموذج حكم قائم على إخضاع الاقتصاد للمشروع الأيديولوجي والعسكري للجماعة، بحيث تصبح الثروة أداة للسيطرة السياسية، ويغدو القضاء غطاءً لشرعنة الاستحواذ والإقصاء، في واحدة من أوسع عمليات إعادة تشكيل الاقتصاد اليمني بالقوة منذ عقود.
>
