تحليل: بريطانيا تحمي الحرس الإيراني من التصنيف الإرهابي رغم تهديداته

العالم - منذ ساعة و 40 دقيقة
واشنطن، نيوزيمن:

أعاد تحليل نشره منتدى الشرق الأوسط فتح ملف العلاقة المعقدة بين المملكة المتحدة والحرس الثوري الإيراني، متسائلاً عن الأسباب الحقيقية التي تدفع لندن إلى الاستمرار في رفض تصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية، رغم تزايد الأدلة على أنشطته الأمنية والاستخباراتية داخل أوروبا، وتصاعد دوره في إدارة وتمويل وتسليح جماعات مسلحة متهمة بزعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط وتهديد الملاحة الدولية.

التحليل الذي أعده الصحفي المختص بالشأن الإيراني بوتكين أزارمهر لا يكتفي بعرض الموقف البريطاني الرسمي، بل يوجه انتقادات حادة لما يعتبره ازدواجية في السياسات البريطانية، حيث ترفع الأحزاب السياسية شعارات متشددة ضد الحرس الثوري عندما تكون في المعارضة، لكنها تتراجع عن تنفيذ وعودها فور وصولها إلى السلطة.

ويشير الكاتب إلى أن جميع الأحزاب الرئيسية في بريطانيا تقريباً وضعت حظر الحرس الثوري ضمن برامجها الانتخابية خلال السنوات الأخيرة، وقدمت نفسها أمام الناخبين باعتبارها أكثر صرامة في مواجهة التهديدات الإيرانية، غير أن هذه التعهدات ظلت حبراً على ورق بمجرد انتقال تلك الأحزاب إلى مقاعد الحكم.

ويعتبر التحليل أن ما حدث مع حزب العمال بزعامة كير ستارمر يعكس نموذجاً واضحاً لهذه المفارقة السياسية. فالحزب الذي انتقد مراراً حكومة المحافظين بسبب إحجامها عن تصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية، وجد نفسه بعد وصوله إلى السلطة يسير على النهج ذاته دون تغيير يُذكر.

ويرى الكاتب أن هذه الازدواجية تطرح تساؤلات جوهرية حول مدى تأثير المصالح الاقتصادية والحسابات الدبلوماسية على القرارات المتعلقة بالأمن القومي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بإيران.

وخلال سنوات حكم المحافظين، كانت وزارة الخارجية البريطانية تبرر موقفها بأن الحرس الثوري يهيمن على قطاعات واسعة من الاقتصاد الإيراني، وأن تصنيفه منظمة إرهابية سيؤدي عملياً إلى تعقيد أي تعامل اقتصادي أو دبلوماسي مع طهران، نظراً لتغلغل نفوذه داخل مؤسسات الدولة الإيرانية.

لكن التحليل يرى أن هذا التبرير يكشف في جوهره عن معضلة أعمق، تتمثل في تفضيل المصالح الاقتصادية والدبلوماسية على الاعتبارات الأمنية، وهو ما يجعل السياسة البريطانية تبدو مترددة في مواجهة التهديدات الإيرانية مقارنة بحلفائها الغربيين. ويؤكد أزارمهر أن الذريعة البريطانية التقليدية فقدت الكثير من قوتها بعد التحول الكبير الذي شهدته المواقف الأوروبية خلال عام 2026.

ففي فبراير الماضي، اتخذ الاتحاد الأوروبي قراراً نهائياً بإدراج الحرس الثوري الإيراني ضمن إطار عقوبات مكافحة الإرهاب، وهو تطور أنهى عملياً الحجة التي كانت تقول إن بريطانيا لا تستطيع التحرك منفردة خشية فقدان ميزتها الاقتصادية أمام بقية الدول الأوروبية.

ويشير التحليل إلى أن قرار بروكسل لم يكن مجرد إجراء سياسي أو رمزي، بل تحول إلى أداة قانونية وأمنية فعالة مكنت الدول الأوروبية من ملاحقة الأنشطة المرتبطة بالحرس الثوري داخل القارة.

فبعد أشهر قليلة من التصنيف، قادت وكالة الشرطة الأوروبية "يوروبول" عملية واسعة شملت 19 دولة وأسفرت عن تفكيك شبكة إلكترونية مرتبطة بالحرس الثوري، وإزالة أكثر من 14 ألف حساب ومنصة ورابط دعائي كانت تستخدم لنشر رسائل النظام الإيراني وتجنيد المؤيدين وتوسيع النفوذ الإيراني عبر الفضاء الرقمي.

ويرى الكاتب أن هذه العملية قدمت دليلاً عملياً على أهمية التصنيف القانوني، إذ وفّر للأجهزة الأمنية الأوروبية صلاحيات أوسع للتحرك ضد الشبكات المرتبطة بطهران. 

ويشير التحليل إلى أن الجدل الدائر في بريطانيا يتجاهل حقيقة أن الحرس الثوري لم يعد مجرد قوة عسكرية داخل إيران، بل تحول إلى شبكة عابرة للحدود تدير عمليات سياسية وأمنية واستخباراتية وتمويلية في مناطق متعددة من العالم.

فالحرس الثوري يُعد الجهة الرئيسية المشرفة على شبكة الوكلاء الإقليميين لإيران، بما في ذلك المليشيات المسلحة المنتشرة في اليمن والعراق ولبنان وسوريا، والتي استخدمت في السنوات الأخيرة لاستهداف المصالح الغربية وتهديد طرق التجارة والطاقة الدولية.

ويرى الكاتب أن استمرار لندن في الفصل بين هذه الأنشطة وبين مسألة التصنيف الإرهابي يثير علامات استفهام حول مدى جدية بريطانيا في التعامل مع التهديدات المرتبطة بإيران.

النقطة الأكثر حدة في التحليل تتمثل في وصف المملكة المتحدة بأنها أصبحت "الحلقة الأضعف" في منظومة مكافحة الإرهاب الغربية. ويحذر الكاتب من أن طهران باتت تدرك وجود تردد بريطاني مزمن في التعامل مع أنشطة الحرس الثوري، الأمر الذي يمنحها هامشاً أوسع للمناورة مقارنة بدول أوروبية أخرى بدأت تتبنى سياسات أكثر تشدداً.

ويستشهد في هذا السياق بتصريحات المدير السابق للاستخبارات العسكرية الفرنسية كريستوف غومار، الذي اعتبر أن لندن باتت تشكل مركزاً مهماً لنشاط شبكات التطرف الإسلامي، إلى جانب دول أخرى ترتبط غالباً بنقاشات النفوذ الأيديولوجي والمالي للجماعات المتشددة.

ورغم خطورة هذه التصريحات، يلفت التحليل إلى أنها لم تحظ بنقاش واسع داخل الإعلام البريطاني، ما يعكس – بحسب الكاتب – حالة من التجاهل أو التردد في مواجهة بعض الملفات الحساسة المرتبطة بالأمن الداخلي والعلاقات الخارجية.

ويرى التحليل أن استمرار بريطانيا في الامتناع عن تصنيف الحرس الثوري يحمل تداعيات تتجاوز حدود العلاقة الثنائية مع إيران، إذ يبعث برسالة متناقضة إلى الحلفاء الغربيين الذين يتجهون نحو تشديد الخناق على أنشطة طهران.

ففي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومات الغربية عن ضرورة مواجهة التهديدات العابرة للحدود وتجفيف مصادر تمويل ودعاية الجماعات المرتبطة بإيران، تبدو لندن وكأنها تحتفظ بمسافة سياسية وقانونية تمنعها من اتخاذ خطوة مماثلة لما قامت به بروكسل.

ويشير الكاتب إلى أن السؤال لم يعد يتعلق بوجود مبررات قانونية أو سياسية للتصنيف، بل بسبب استمرار غياب الإرادة السياسية لاتخاذ القرار. فكلما طال التردد البريطاني، ازدادت القناعة لدى طهران بأن بإمكانها الاستفادة من هذه الثغرة، الأمر الذي قد يضعف فاعلية الجهود الغربية المشتركة لمواجهة النفوذ الإيراني ويحول المملكة المتحدة إلى نقطة استثناء داخل جبهة غربية يفترض أنها تتبنى موقفاً موحداً تجاه الحرس الثوري وأنشطته العابرة للحدود.