باب المندب في قلب المواجهة.. إيران تدفع الحوثيين لتهديد تجارة الطاقة العالمية

السياسية - منذ ساعتان و 26 دقيقة
المخا، نيوزيمن، خاص:

في الوقت الذي تتصاعد فيه المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وتتسع رقعة التوترات في الشرق الأوسط، يعود مضيق باب المندب إلى واجهة الأحداث بوصفه أحد أخطر نقاط الاختناق الاستراتيجية في العالم، وسط تحذيرات متزايدة من احتمال استخدامه كورقة ضغط إيرانية جديدة عبر جماعة الحوثي، بما يهدد أمن الملاحة الدولية واستقرار أسواق الطاقة العالمية.

وكشفت تقارير دولية، أبرزها ما نقلته وكالة رويترز عن مصادر إيرانية وإقليمية مطلعة، أن طهران طلبت من جماعة الحوثي رفع مستوى الجاهزية والاستعداد لإغلاق مسار النفط في البحر الأحمر إذا تعرضت منشآتها النفطية أو بنيتها التحتية للطاقة لهجمات أمريكية، في خطوة تعكس اتجاهاً إيرانياً نحو توسيع دائرة الصراع من الخليج العربي إلى البحر الأحمر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن مضيق باب المندب لم يعد مجرد ممر بحري حيوي، بل أصبح جزءاً من معادلة الردع الإقليمية التي تسعى إيران إلى توظيفها في مواجهة الضغوط العسكرية والاقتصادية المتزايدة، مستندة إلى شبكة من الحلفاء والجماعات المسلحة المنتشرة في المنطقة.

استراتيجية المضائق.. ورقة إيران الأخطر

على مدى عقود، ارتبطت التهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز باعتباره المنفذ الرئيسي لصادرات النفط الخليجية، إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى سعي طهران لتوسيع نطاق نفوذها البحري ليشمل باب المندب، بما يمنحها قدرة أكبر على التأثير في حركة التجارة والطاقة العالمية.

ويرى مراقبون أن إيران تعمل على بناء منظومة ضغط استراتيجية تمتد من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، بحيث يصبح أي تصعيد ضدها مهدداً لأهم الممرات البحرية في العالم. وفي هذا السياق، يمثل الحوثيون الأداة الأكثر فاعلية لتنفيذ هذه الاستراتيجية، بحكم سيطرتهم على أجزاء واسعة من الساحل الغربي لليمن وإشرافهم على مناطق قريبة من خطوط الملاحة الدولية.

وتعكس الرسائل المنقولة إلى الجماعة الحوثية قناعة إيرانية بأن الضغط على الاقتصاد العالمي قد يكون أحد أكثر أدوات الردع تأثيراً في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها، خصوصاً في ظل الاعتماد الدولي الكبير على خطوط التجارة والطاقة العابرة للبحر الأحمر.

باب المندب.. البوابة الجنوبية للاقتصاد العالمي

يُعد مضيق باب المندب أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، إذ يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويشكل البوابة الجنوبية لقناة السويس التي تمر عبرها نسبة كبيرة من التجارة الدولية.

وتعبر المضيق يومياً عشرات السفن التجارية وناقلات النفط والغاز القادمة من الخليج العربي والمتجهة نحو الأسواق الأوروبية والأمريكية، ما يجعله شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي.

ولهذا فإن أي تهديد للملاحة في باب المندب لا يقتصر تأثيره على الدول المطلة عليه، بل يمتد ليشمل الاقتصاد العالمي بأكمله. فتعطيل الملاحة أو استهداف السفن التجارية يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، وزيادة تكاليف التأمين البحري، وارتفاع أسعار السلع، وإرباك سلاسل الإمداد الدولية التي لا تزال تعاني من آثار الأزمات المتلاحقة خلال السنوات الأخيرة.

وتزداد خطورة هذا السيناريو إذا تزامن مع استمرار التوترات في مضيق هرمز، الأمر الذي قد يضع أهم مسارين لتدفق الطاقة في الشرق الأوسط تحت التهديد في وقت واحد.

الحوثيون.. الذراع البحرية للمشروع الإيراني

خلال السنوات الماضية، تحولت جماعة الحوثي من قوة محلية منخرطة في الحرب اليمنية إلى لاعب إقليمي يمتلك قدرات عسكرية متطورة في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة والألغام البحرية.

وتتهم الولايات المتحدة ودول غربية وإقليمية إيران بتوفير الدعم العسكري والتقني للجماعة، بما في ذلك التدريب والتسليح ونقل الخبرات، وهو ما مكّن الحوثيين من تنفيذ هجمات متكررة ضد السفن التجارية والعسكرية في البحر الأحمر وخليج عدن.

وبحسب المعلومات التي أوردتها رويترز، فإن الجماعة أكملت استعداداتها العسكرية عبر نشر صواريخ وطائرات مسيرة في مناطق استراتيجية مطلة على باب المندب والبحر الأحمر، وتنتظر صدور التعليمات المناسبة للتحرك.

ويكمن الخطر في أن تعطيل الملاحة لا يتطلب بالضرورة إغلاق المضيق بشكل كامل، بل يكفي تنفيذ هجمات محدودة أو متفرقة ضد السفن وناقلات النفط لخلق حالة من القلق لدى شركات الملاحة العالمية ورفع تكاليف التأمين، الأمر الذي يدفع كثيراً من السفن إلى البحث عن مسارات بديلة أكثر أمناً.

البحر الأحمر من اليمن إلى القرن الإفريقي

وتتجاوز المخاوف حدود السواحل اليمنية، إذ تحدثت تقارير إعلامية غربية عن مؤشرات على وجود تنسيق بين الحوثيين وحركة الشباب الصومالية، في إطار محاولات لتوسيع النفوذ الإيراني على جانبي البحر الأحمر.

ووفقاً لما أوردته صحيفة تلغراف البريطانية، فإن هناك مخاوف من نقل خبرات عسكرية وتقنيات الطائرات المسيّرة إلى أطراف مسلحة في القرن الإفريقي، بما قد يؤدي إلى ظهور تهديدات جديدة للملاحة الدولية في واحدة من أكثر المناطق حساسية بالنسبة للتجارة العالمية.

وفي حال صحة هذه المعطيات، فإن البحر الأحمر قد يتحول إلى مسرح صراع متعدد الأطراف يمتد من السواحل اليمنية غرباً إلى القرن الإفريقي جنوباً، وهو ما يضاعف التحديات الأمنية أمام القوى الدولية المعنية بحماية الملاحة.

اليمن.. الخاسر الأكبر

ورغم أن الصراع يدور بين قوى إقليمية ودولية، فإن اليمن يبقى الطرف الأكثر تضرراً من أي تصعيد محتمل في باب المندب. فاستمرار عسكرة الممرات البحرية وتحويل السواحل اليمنية إلى منصة للصراعات الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من الضغوط الاقتصادية على البلاد، ويهدد حركة التجارة عبر الموانئ اليمنية، ويرفع تكاليف الاستيراد والنقل، ويؤخر فرص التعافي الاقتصادي التي تحتاجها البلاد بصورة ملحة.

كما أن أي تصعيد عسكري جديد سيزيد من تعقيد المشهد الأمني والسياسي، ويطيل أمد الأزمة اليمنية التي دخلت عامها الثاني عشر دون أفق واضح للحل.

هل يقف العالم أمام أزمة جديدة؟

يرى خبراء أن إغلاق باب المندب بشكل كامل يظل أمراً بالغ الصعوبة في ظل الوجود البحري الدولي المكثف في المنطقة، إلا أن الخطر الحقيقي يكمن في القدرة على تعطيل الملاحة ورفع مستوى المخاطر إلى الحد الذي يدفع شركات الشحن العالمية إلى تجنب المرور عبر المضيق.

ولهذا فإن التهديد لا يقاس بمدى قدرة الحوثيين على إغلاق المضيق فعلياً، بل بقدرتهم على تحويله إلى منطقة غير آمنة للتجارة الدولية.

وفي حال تزامن ذلك مع استمرار الضغوط على مضيق هرمز، فإن العالم قد يواجه واحدة من أخطر أزمات الطاقة والنقل البحري خلال العقود الأخيرة، بما يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية وجيوسياسية واسعة النطاق.

وبينما تتواصل المواجهة بين طهران وواشنطن، يبقى باب المندب في قلب معادلة الصراع الجديدة، بوصفه الممر الذي قد يحدد ليس فقط مستقبل الأمن البحري في المنطقة، بل أيضاً استقرار الاقتصاد العالمي بأسره.