استئناف تصدير النفط.. بداية التعافي أم بداية اختبار أكثر صعوبة؟
الجنوب - منذ ساعتان و 9 دقائق
عدن، نيوزيمن، تقرير تحليلي:
في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى التحركات الحكومية الرامية لاستئناف تصدير النفط الخام، بعد توقف استمر قرابة أربعة أعوام، يعود هذا الملف ليحتل صدارة المشهد الاقتصادي اليمني بوصفه العامل الأكثر تأثيراً في مستقبل المالية العامة، واستقرار العملة الوطنية، وقدرة الدولة على استعادة وظائفها الأساسية.
ولا يتعلق الأمر بمجرد استئناف تصدير شحنات نفطية من موانئ حضرموت أو شبوة، بل بمدى قدرة الحكومة على تحويل هذه الخطوة إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء الاقتصاد، في ظل تحديات أمنية ومالية وسياسية لا تزال تلقي بظلالها على البلاد.
النفط.. شريان الاقتصاد اليمني
قبل اندلاع الحرب في 2015، مثل قطاع النفط والغاز العمود الفقري للاقتصاد اليمني، إذ وفر ما يزيد على 70% من الإيرادات العامة، وأكثر من 80% من حصيلة النقد الأجنبي، وشكل المصدر الرئيس لتمويل الموازنة العامة، ودعم احتياطيات البنك المركزي، وتمويل الواردات الأساسية.
ورغم تراجع الإنتاج خلال سنوات الحرب، ظلت صادرات النفط تمثل طوق النجاة الوحيد للحكومة المعترف بها دولياّ، إلى أن توقفت بالكامل في أواخر عام 2022 عقب الهجمات الحوثية التي استهدفت موانئ التصدير في حضرموت وشبوة، لتدخل المالية العامة في واحدة من أصعب أزماتها منذ بدء الصراع.
سنوات من النزيف المالي
أدى توقف الصادرات النفطية إلى فقدان الحكومة مليارات الدولارات من الإيرادات، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على قدرتها في الإيفاء بالتزاماتها الأساسية.
فقد تراجعت الموارد العامة إلى مستويات غير مسبوقة، وواجهت الحكومة صعوبات متزايدة في تمويل الرواتب، وتشغيل المؤسسات، وتوفير الخدمات الأساسية، بينما أصبح الاعتماد على الدعم الخارجي والمنح الإقليمية ضرورة للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار المالي.
كما تعرض البنك المركزي لضغوط متزايدة نتيجة انخفاض تدفقات العملات الأجنبية، الأمر الذي ساهم في تراجع قيمة الريال اليمني، وارتفاع أسعار السلع المستوردة، واتساع رقعة التضخم، لتنعكس الأزمة في نهاية المطاف على معيشة المواطنين.
لماذا تمثل العودة فرصة استثنائية؟
لا ينظر الاقتصاديون إلى استئناف تصدير النفط باعتباره مجرد زيادة في الإيرادات، بل باعتباره استعادة لأهم أداة تمتلكها الدولة لإدارة الاقتصاد.
فمع عودة الصادرات، ستتوفر للحكومة موارد بالعملة الصعبة تمكنها من:
تعزيز احتياطيات البنك المركزي.
دعم استقرار سعر صرف الريال.
تمويل استيراد السلع الأساسية.
تحسين قدرة الدولة على صرف الرواتب والإنفاق على الخدمات.
تخفيف الاعتماد على المنح والمساعدات الخارجية.
تعزيز ثقة المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية.
ومن شأن ذلك أن ينعكس تدريجياً على النشاط الاقتصادي، من خلال تحسن السيولة، واستقرار الأسواق، وعودة جزء من الثقة المفقودة.
أثر مباشر على سعر الصرف
يمثل سعر الصرف أحد أكثر المؤشرات حساسية تجاه عودة صادرات النفط.
فكلما ارتفعت تدفقات النقد الأجنبي إلى البنك المركزي اليمني، ازدادت قدرته على تمويل الاعتمادات المستندية، والتدخل في سوق الصرف عند الحاجة، وهو ما يحد من المضاربات ويعزز استقرار العملة.
لكن خبراء اقتصاديين يؤكدون أن استقرار الريال اليمني لن يتحقق بعوائد النفط وحدها، بل يتطلب أيضًا إصلاح السياسة النقدية، وتعزيز استقلالية البنك المركزي، وضبط الإنفاق العام، ومكافحة المضاربة في سوق العملات.
هل تكفي الإيرادات لإنقاذ الاقتصاد؟
رغم الأهمية الكبيرة لعودة التصدير، فإن حجم التحديات الاقتصادية يجعل من الصعب اعتبارها حلًا شاملًا للأزمة. فالاقتصاد اليمني يعاني من:
انكماش اقتصادي ممتد.
تراجع الإنتاج في القطاعات غير النفطية.
ضعف الإيرادات الضريبية والجمركية.
ارتفاع الدين العام.
تدهور البنية التحتية.
تراجع الاستثمارات.
استمرار الانقسام المالي والمؤسسي.
وبالتالي، فإن عائدات النفط، مهما بلغت، لن تكون كافية وحدها لإعادة الاقتصاد إلى مساره الطبيعي دون تنفيذ إصلاحات هيكلية واسعة.
اختبار للحوكمة والشفافية
ربما لا تكمن أهمية استئناف التصدير في حجم الإيرادات فقط، وإنما في كيفية إدارتها.
فالتجارب السابقة أظهرت أن الموارد الطبيعية لا تتحول تلقائياً إلى تنمية، ما لم تقترن بسياسات مالية رشيدة، وإدارة شفافة، ورقابة مؤسسية فعالة.
ويرى خبراء أن الحكومة مطالبة بوضع آلية واضحة لإدارة العائدات، تضمن توجيهها نحو:
استقرار العملة.
تمويل الخدمات الأساسية.
دعم قطاع الكهرباء والطاقة.
تحسين البنية التحتية.
تعزيز الإنفاق التنموي.
بناء احتياطي نقدي مستدام.
البعد السياسي للنفط
بعيداً عن الأرقام، يحمل استئناف تصدير النفط رسائل سياسية مهمة.
فنجاح الحكومة في إعادة تشغيل قطاع النفط سيعزز من حضورها الاقتصادي، ويقوي موقفها في أي مفاوضات سياسية مستقبلية، كما سيرسل رسالة إلى المجتمع الدولي بأن مؤسسات الدولة استعادت جزءاً من قدرتها على إدارة الموارد الوطنية.
وفي المقابل، فإن أي انتكاسة جديدة في عمليات التصدير قد تعيد الاقتصاد إلى نقطة الصفر، وتبدد الثقة التي بدأت تتشكل لدى الأسواق.
نافذة زمنية قد لا تتكرر
يرى مراقبون أن الحكومة تقف أمام فرصة قد تكون الأهم منذ سنوات، لكنها فرصة مشروطة بسرعة اتخاذ قرارات إصلاحية تتجاوز المعالجات المؤقتة.
فالاقتصاد اليمني لا يحتاج فقط إلى عودة النفط، بل إلى رؤية اقتصادية متكاملة تشمل تنشيط القطاعات الإنتاجية، وتطوير الموانئ، وتحسين بيئة الاستثمار، وتنويع مصادر الدخل، حتى لا يبقى مستقبل البلاد مرهوناً بأسعار النفط أو بتقلبات المشهد الأمني.
الخلاصة..
تمثل عودة تصدير النفط في اليمن، إذا تحققت بصورة مستدامة، نقطة تحول مهمة في مسار الاقتصاد الوطني، لكنها ليست نهاية الأزمة، بل بداية اختبار جديد للحكومة.
فالنفط قادر على إعادة الحياة إلى المالية العامة، واستقرار سعر الصرف، وتحسين الخدمات، لكنه لن يصنع التعافي بمفرده. وحدها الإدارة الرشيدة، والإصلاحات الاقتصادية، والحوكمة، واستدامة الأمن حول المنشآت النفطية، هي التي يمكن أن تحول هذه العودة من انفراجة مالية مؤقتة إلى بداية تعافٍ اقتصادي حقيقي يعيد الثقة للمواطنين والأسواق على حد سواء.
>
