وساطة أمريكية تقرّب لبنان وإسرائيل.. وتربك حسابات حزب الله
العالم - منذ 5 ساعات و 16 دقيقة
بيروت، نيوزيمن، ترجمة:
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها التحولات الجيوسياسية مع ضغوط داخلية متصاعدة في لبنان، تبرز المحادثات المرتقبة بين بيروت وتل أبيب كفرصة نادرة لإعادة ترتيب المشهد السياسي والأمني في البلاد.
وبينما تتجه الأنظار إلى اللقاء المزمع عقده في واشنطن غدا الثلاثاء 14 أبريل 2026 بوساطة أمريكية، يطرح تساؤل جوهري نفسه: هل يمكن لهذا المسار الدبلوماسي أن يفتح الباب أمام تقليص نفوذ حزب الله، الذي ظل لعقود لاعباً مهيمنًا على القرار اللبناني؟
ويرى تحليل صادر عن منتدى الشرق الأوسط، أعدّه الصحفي والباحث سيروان كاجو، أن هذه المحادثات قد تمثل نقطة تحول مفصلية، ليس فقط في طبيعة العلاقة بين لبنان وإسرائيل، بل أيضاً في إعادة تشكيل موازين القوى داخل الدولة اللبنانية نفسها.
ويشير التحليل إلى أن نجاح أي مسار تفاوضي بين الجانبين يبقى مرهوناً بمدى القدرة على تحييد حزب الله من المعادلة، في ظل تمسك إسرائيل بهدف نزع سلاحه لضمان أمن حدودها الشمالية، مقابل حاجة لبنان الملحّة لإنهاء حالة "الدولة داخل الدولة" التي فرضها الحزب، والتي كلفت البلاد أثماناً سياسية واقتصادية باهظة.
تغلغل عميق يقيّد الدولة
خلال العقدين الماضيين، لم يكتفِ حزب الله بالحفاظ على بنيته العسكرية المستقلة، بل عمل على ترسيخ نفوذه داخل مفاصل الدولة، من المؤسسات السياسية إلى الأجهزة الأمنية. هذا التغلغل، بحسب التحليل، جعل من الصعب على الحكومات اللبنانية المتعاقبة فرض سيادتها الكاملة، وأضعف مراكز القوى التقليدية داخل الطائفتين السنية والمارونية.
ومع ذلك، يلفت التحليل إلى وجود تحوّل ملحوظ في المزاج السياسي الداخلي، حيث باتت قطاعات واسعة من النخبة السياسية ترى في الحوار مع إسرائيل خياراً واقعياً، في ظل الانهيار الاقتصادي المستمر وفقدان الثقة الشعبية بمؤسسات الدولة. في المقابل، يبقى حزب الله والفصائل المتحالفة معه العقبة الرئيسية أمام هذا التوجه.
ولا تقتصر معارضة حزب الله للمحادثات على البعد الأيديولوجي المرتبط بعدائه لإسرائيل، بل ترتبط أيضاً بحسابات إقليمية أوسع تقودها طهران. إذ يرى التحليل أن إيران تنظر إلى الساحة اللبنانية كأداة استراتيجية يمكن توظيفها لتخفيف الضغوط عنها في ملفات حساسة، مثل برنامجها النووي أو أنشطتها الصاروخية.
ويُشبه التحليل هذا الدور باستخدام إيران لمضيق هرمز، حيث يُمكن لتصعيد التوتر أن يعيد توجيه الاهتمام الدولي نحو قضايا الأمن الإقليمي بدلاً من التركيز على سياسات طهران. ومن هذا المنطلق، قد لا يكون من مصلحة إيران التوصل إلى تسوية نهائية بين لبنان وإسرائيل، مفضّلة إبقاء الصراع في حالة "لاحسم".
تهديد وجودي للحزب
أحد أبرز استنتاجات التحليل يتمثل في أن أي تقدم نحو السلام بين لبنان وإسرائيل قد يُشكّل تهديداً وجودياً لحزب الله. فمنذ تأسيسه، بنى الحزب شرعيته على فكرة "المقاومة"، وإذا ما انتفت حالة العداء، فإن هذا الأساس الأيديولوجي سيفقد مبرراته.
في المقابل، يواجه الحزب بالفعل تحديات متزايدة، سواء على المستوى العسكري أو السياسي، مع تراجع تأثير خطاب "المقاومة" في ظل المتغيرات الإقليمية، وتزايد الانتقادات الداخلية لدوره في جرّ لبنان إلى صراعات خارجية.
كما يشير التحليل إلى أن قرار الحكومة اللبنانية في مارس/آذار 2026 بحظر الأنشطة العسكرية للحزب، رغم طابعه الرمزي، يعكس تحولاً مهماً في مقاربة الدولة تجاهه، ويُظهر استعداداً أكبر لمواجهته سياسياً.
في السياق ذاته، يؤكد التحليل أن الخيار العسكري لا يبدو حلاً عملياً لتفكيك نفوذ حزب الله. فالغارات الجوية الإسرائيلية لم تحقق هذا الهدف، بينما يحمل أي تدخل بري مخاطر تصعيد إقليمي واسع، وقد يؤدي إلى إعادة إنتاج التعاطف الشعبي مع الحزب.
لذلك، يُرجّح أن يكون المسار الدبلوماسي، القائم على التواصل المباشر بين الحكومتين، هو الخيار الأكثر فاعلية لنزع الشرعية السياسية والشعبية عن الحزب تدريجياً، وتعزيز موقع الدولة اللبنانية كممثل شرعي وحيد.
سيناريوهات مفتوحة
ورغم أن المحادثات المرتقبة قد لا تُفضي بالضرورة إلى اتفاق سلام شامل، إلا أن مجرد انخراط لبنان في هذا المسار يُعد خطوة غير مسبوقة، قد تُسهم في إضعاف موقع حزب الله وإعادة التوازن إلى الحياة السياسية.
ويخلص التحليل إلى أن مستقبل الحزب سيبقى مرتبطاً إلى حد كبير بمآلات الوضع في إيران. ففي حال استمرار النظام الإيراني، قد يحتفظ الحزب بوجوده ولكن بشكل أضعف، أما في حال حدوث تحول جذري في طهران، فقد يتراجع دوره إلى حد كبير داخل لبنان.
وبين هذه السيناريوهات، تبقى المحادثات المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرة لبنان على استعادة قراره السيادي، ولإمكانية أن تفتح الدبلوماسية نافذة نحو استقرار طال انتظاره في واحدة من أكثر مناطق الشرق الأوسط توتراً.
>
